هجمات كرايستشيرش: بين تكريم الضحايا والاعتناء بطاقم العمل

مقابلة صحفية أجرتها شبكة المحريين الدوليين مع رئيسة تحرير صحيفة Stuff النيوزيلندية

عقب الهجمات الإرهابية في مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، أجرت شبكة المحررين العالميين مقابلة صحفية مع سينيد باوتشر، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة ستاف الإعلامية، والتي تعتبر واحدة من أكبر وسائل الإعلام الإخباري في نيوزيلندا. وتطرق الطرفان إلى المقاربة التي انتهجتها باوتشر لإيصال الخبر إلى الجماهير دون تمجيد المتهم، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين سرعة نقل الخبر ومدى دقته، فضلا عن أهمية العمل الجماعي.

فيما يتعلق بهذه المقابلة، عملت سينيد مع محررة صحيفة ستاف في مدينة كرايستشيرش، كامالا هايمان، والتي كانت تعنى بالإشراف على غرفة الأخبار، كما هو الحال خلال الزلزال الذي ضرب المدينة سنة 2011.

مراسلة شبكة المحررين العالميين: متى كانت غرفة الأخبار المحلية في صحيفة “ستاف” على دراية بعمليات إطلاق النار والفيديو المباشر؟ هل كنت على دراية ببيان الإرهابي الذي أُرسل إلى وسائل الإعلام المختلفة والسياسيين؟

سينيد باوتشر: لقد تلقينا الخبر في ظرف دقيقتين أو ثلاثة من بدء الهجوم، حيث تم تنبيهنا بواسطة تقارير متعددة لشهود عيان عبر موقع فيسبوك، كما تلقينا مكالمة من طرف زوجة أحد أعضاء طاقم عملنا، والتي صادف مرورها بمحيط المسجد آنذاك. انتشر فيديو البث المباشر بسرعة، وفي غضون 10 دقائق، تلقت غرفة أخبارنا هذا البث من مصادر متعددة. نحن كنا من بين مجموعة كبيرة من وسائل الإعلام والسياسيين الذين تلقوا البيان عبر البريد الإلكتروني قبل دقائق فقط من بدء الهجمات، لكن لم يتضح على الفور ما الذي ارتبط به هذا البيان أو إذا كان جدياً أم لا.

المراسلة: هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها نشر مقاطع الفيديو الخاصة بإطلاق النار، لكنها المرة الأولى التي يشاركها القاتل ببث مباشر. كيف كان اختيار غرفة الأخبار، هل عرضت الفيديو كاملاً أم اختارت بث مقاطع من البث المباشر الذي نشره الإرهابي؟

سينيد باوتشر: إن أفضل طريقة لإبلاغ جمهورنا بهذه المأساة دون تمجيد المتهم أو منحه شهرة واسعة كانت موضوع نقاش نشط ومستمر داخل غرفة أخبارنا. وخلال الساعات الأولى التي تلت الهجوم، امتنعنا عن ذكر اسم الإرهابي عمداً، ثم اخترنا كشف هويته في وقت لاحق، وذلك في الغالب عند تغطية الأخبار المتعلقة بالمحكمة. ومنذ ذلك الحين، اتخذنا موقفاً صارماً فيما يتعلق بذكر اسمه. وفي البداية، تجنبنا الاقتباس من بيانه المليء بالكراهية، حتى لا نتواطأ في نشر أفكاره البغيضة، والأمر سيان بالنسبة لبثه المباشر، فنحن لن نستخدم أي لقطات تصور العنف.

المراسلة: ماهي المقاربة التي انتهجتها صحيفة ستاف لتغطية أخبار عملية إطلاق النار وما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل اضطررتم إلى التعامل مع المعلومات الخاطئة بعد فترة وجيزة من شن الهجوم؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماهي الاستراتيجية التي اتبعتموها؟ هل لديكم فريق مكرس للتثبت من الحقائق؟ أو أنكم استعنتم بمصادر خارجية؟

سينيد باوتشر: لقد كنا حذرين للغاية خلال حديثنا عن عدد الوفيات، وأدركنا بسرعة أن الحصيلة الحقيقية للضحايا أعلى من الأرقام المنشورة بشكل رسمي. وأظهر الإحصاء المستند إلى المشاهد التي ظهرت في الفيديو أن عدد الوفيات في مسجد النور فقط بلغ 40 شخصاً. وعندما كنا في انتظار نتيجة التحقيق الرسمي من الشرطة، قلنا إن تسعة أشخاص لقوا حتفهم، ثم عدنا وقلنا إن العدد يتجاوز 30 شخصاً عندما تأكدنا أن مقطع الفيديو لم يكن خدعة.

يتحقق المراسلون والمحررون الخاصون بنا من الأخبار التي تصلهم. وفي حين أن مثل حوادث إطلاق النار والهجمات الإرهابية هذه غير مألوفة ولم يسبق لها مثيل في نيوزيلندا، تتمتع غرفة أخبارنا بخبرة جيدة في تغطية الأحداث الإخبارية الضخمة، خاصة بعد تغطيتنا لأحداث زلزالي 2010 و2011 في مدينة كرايستشيرش. لقد تعلمنا كيفية تحقيق التوازن بين إعلام الجمهور بسرعة وتوخي الحذر الشديد في تقدير عدد الوفيات، وبين التحقق من دقة الحقائق المثيرة للجدل قبل نشرها.

 

المراسلة: لا بد من أن سيل مقاطع الفيديو والصور التي زودكم بها المستخدمون في الساعات القليلة التي تلت عملية القتل كانت تحدياً لكم، كيف قمتم بتنظيم المحتوى الذي ينتجه المستخدمون وما هي أهمية هذا النوع من المحتوى بالنسبة لتقاريركم؟

سينيد باوتشر: في البداية كنا حذرين من عرض الصور التي وصلتنا لأنها كانت تحتوي على صور الجثث، ثم ظهرت لنا العديد من مقاطع الفيديو الخاطئة. وأظهر أحد المقاطع رجلين يركضان نحو مدرسة ويعتقلان رجلاً داخلها، ليتضح أنهما كانا شرطيين لا يرتديان زيهما الرسمي وقد تكفلا آنذاك باعتقال ولي أمر أحد التلاميذ.

ومع ذلك، اكتسى بعض مقاطع الفيديو أهمية كبرى، لاسيما وأن أحدها عرض لحظات اعتقال الشرطة للمتهم. وخلال بضعة أيام من الجريمة المروعة، عملنا على تقييم المحتوى الذي أرسلته الجماهير، خاصة المحتوى الذي أرسلوه عبر نظام إيداع محتوى المستخدمين الخاص بنا “ستاف نايشن”. وكانت أغلب هذه المقاطع من مستخدمين في المجتمعات الإسلامية حول العالم، كما أن أحدهم نشر مقطع فيديو لإحياء ذكرى أحد ضحايا الهجوم.

المراسلة: هل كان عليكم تعديل سياستكم المتعلقة بالتعليقات ووسائل التواصل الاجتماعي بسبب خطابات الكراهية؟

سينيد باوتشر: عمدنا إلى إيقاف خانات التعليقات يوم الجمعة بصفة وقتية، وذلك لمنع بعض المستخدمين من نشر مواد غير لائقة وحتى يتسنى لموظفينا التركيز الكامل على الكشف عن خفايا الجريمة. تجدر الإشارة إلى أن جميع التعليقات في منصات ستاف تخضع للمراجعة قبل نشرها، لكننا قررنا يوم الجمعة عدم السماح بنشر أي تعليقات تحت الملحقات الإخبارية ذات الصلة بالهجوم الإرهابي.

علاوة على ذلك، قمنا بحظر بعض المستخدمين الذين أدلوا بتعليقات مشينة وغير مقبولة. وعلى الرغم من ذلك، تفاعل معظم متابعي ستاف عن طريق إبداء تعاطفهم ودعمهم للضحايا والناجين من الهجوم، كما هو الحال مع إحدى الصفحات التي خصصناها لنعي الضحايا.

المراسلة: بالحديث عن الموظفين، كم يبلغ عدد الصحفيين و المراسلين في كرايستشيرش؟ كيف يمكن للأشخاص المتواجدين في غرفة الأخبار الرئيسية دعم فريق كرايستشيرش في الساعات التالية بعد الهجوم؟ هل حشدتم جميع الإدارات معاً من أجل تغطية أفضل؟ وبغض النظر عن مأساوية هذه الأحداث، هل تعتبرونها تغييراً للروتين ومناسبة ساهمت في تعزيز التعاون في الفريق؟

سينيد باوتشر: يبلغ تعداد الأشخاص الذين يشكلون قوام فريق كرايستشيرش للأخبار 38 شخصاً، ويشمل ذلك المحرر ومحرري الأخبار والمراسلين بما في ذلك مراسلي الفروع والصحفيين الذين يظهرون في التلفاز. والجدير بالذكر أننا عززنا هذا الفريق بواسطة موظفين في مؤسسة ستاف الإعلامية، فلقد ركزت غرفة الأخبار المحلية وفريق ستاف الوطني على هذه الجريمة بشكل فريد.

قطع الموظفون عطلهم السنوية وإجازاتهم وهبوا من كل حدب وصوب، فكل صحفي أو مراسل كان متاحاً، بما في ذلك أعضاء فريقنا المختصون في مجالات مختلفة مثل الأعمال والرياضة والمقالات التي تعنى بنمط الحياة. وعملنا كذلك على نقل موظفينا من ولنجتون وأوكلاند وهاملتون، حيث لدينا موظفين بارزين في مجال الإعلام. يمكننا القول إن هذه الأزمة دفعتنا إلى تقديم أفضل ما لدينا في هذا المجال، خاصة داخل فريق أخبار كرايستشيرش الذي لعب دوراً بطولياً.

المراسلة: بعد هجمات مسرح باتاكلان في باريس سنة 2015، خصصت العديد من وسائل الإعلام مقالاتها لنعي الضحايا، فهل ستفعلين الأمر ذاته مع ضحايا هجمات مساجد كرايتشيرش؟

سينيد باوتشر: مع حلول الساعة السابعة ونصف من مساء يوم السبت، عملنا على نشر ما أطلقنا عليه اسم “نهاية براءتنا“، وهي نشرة تهدف إلى تخليد ذكرى الضحايا. عملنا على تحديث هذه النشرة باستمرار كلما وردتنا معلومات جديدة عن ضحايا الهجوم، لقد ركزنا على قصص الناجين والقتلى، فهم يستحقون تسليط الضوء عليهم.

المراسلة: من الصعب على الجميع تغطية الأحداث المأساوية الكبرى مثل الهجمات الإرهابية، فكيف ستكون المتابعة النفسية والدعم العاطفي لموظفي ستاف خلال الأسابيع المقبلة؟ وكيف ستحقق غرفة أخباركم التوازن بين مواصلة تغطية أخبار الهجوم الإرهابي والحديث عن الأخبار الأخرى؟

سينيد باوتشر: ستكون رفاهية الموظفين مصدر قلق كبير بالنسبة لنا، من المهم التأكد من حصول الصحفيين والمراسلين الذين عملوا على هذا الحدث المؤلم على أيام للراحة ودفعهم للشعور بأننا ندعمهم. ومنذ يوم الإثنين، كان لدينا مستشار نفسي للتعامل مع الصدمات في مكتبنا في كرايستشيرش.

وبالنسبة إلى متابعينا، نحن لن نواصل تغطية الأخبار المتعلقة بالحادثة بالنسق الذي اعتمدناه يوم الجمعة، لكن هذه القصة ستظل على رأس قائمة أولوياتنا. سنتوخى دائماً الحذر إزاء الجوانب الحساسة للمشاهدين، وأن بعضهم يشعر بالإرهاق أو يرغب في نسيان هذا الأمر، لكن لا يجب علينا أن نغفل عن كون هذه الهجمات تمثل شرخاً كبيراً في جسد المجتمع النيوزيلندي وعلينا واجب التأكد من الإبلاغ عنه بأمانة وشمولية ودون تكلف.

المراسلة: هل ستعمل مؤسسة ستاف الإعلامية على شن حملة لتغيير قوانين حيازة واستخدام السلاح الحالية؟ أو أنكم ستعملون فقط على نقل النقاش إلى المواطنين؟ هل تعتقدون بأنكم ستواجهون ردود فعل سلبية بعد الهجوم والمزيد من النقاشات المتضاربة المتعلقة بالهجرة؟ أو هل تتوقعون أن يكون هناك إجماع أوسع داخل المجتمع؟

سينيد باوتشر: في هذه المرحلة، وعقب إشارة الحكومة إلى نيتها إجراء تغييرات سريعة على مستوى قوانين الأسلحة النارية، نحن ننقل النقاش ونوفر سياقاً ذي فائدة لمساعدة النيوزيلنديين على فهم حالة قانون حيازة واستخدام الأسلحة النارية. لقد تسبب هذا الهجوم في دفعنا لتأمل وفحص هويتنا الوطنية النيوزيلندية ونوع المجتمع الذي نصبو لأن نكونه.

شهد المجتمع النيوزيلندي دعماً شعبياً هائلاً للمجتمع الإسلامي والضحايا والناجين في كرايستشيرش. وبشكل رئيسي، ستكون هذه التجربة ذات تأثير موحد للشعب، لكن ذلك لا ينفي أن بعض الأقليات قد تستغل هذه الهجمات لمحاولة نشر الكراهية والعنف والخلاف، وسيتحتم على الصحافة الكشف عن هذا الحقد وفضحه دون تأجيج نيرانه.

 

 

المراسلة: فيما يتعلق بالتغطية وتأثير غرفة الأخبار، ما هي الاختلافات والتشابهات بين هذه الهجمات وأحداث زلزال كرايستشيرش في شهر فبراير 2011؟

سينيد باوتشر: أدى زلزال سنة 2011 إلى إلحاق ضرر كبير بغرفة أخبار كرايستشيرش، حيث أُجبر الموظفون على إخلاء المبنى والفرار منه وعانوا من آثار ما بعد الصدمة. ونتج عن ذلك تحطم منازل بعض الموظفين، في حين انقطعت الكهرباء والمياه عن عدد لا بأس به منهم، وهو ما خلق تحديات واضحة للعاملين في كرايستشيرش.

فيما عمدت الشرطة إلى إغلاق جزء كبير من مدينة كرايستشيرش يوم الجمعة الماضي، مؤدية بذلك إلى الحد من تحركات الصحفيين والمراسلين، إلا أن التحديات العملية كانت أقل بالمقارنة مع تبعات الزلزال. في المقابل، كان الأثر النفسي بنفس القدر من أهمية أو أكثر من ذلك بالنسبة لنا، ففي حين كان الزلزال نتاج كارثة طبيعية ضربتنا دون سابق إنذار، كانت الهجمات الإرهابية ناجمة عن أفعال بشرية مخطط لها بشكل جيد.

بقي عدد كبير من الموظفين الذين شاركوا فى تغطية الأحداث التي تلت زلزال سنة 2011 في طاقم عمل غرفة أخبار كرايستشيرش، وأجروا مرة أخرى مقابلات صحفية صادمة ومزعجة. لا يمكننا أن نغفل عن هذا الأمر ونحن بحاجة إلى تذكير أنفسنا بتأثير مثل هذه المآسي على فريقنا.

98765

أنشأت صحيفة ستاف خريطة تتضمن تفاصيل عملية إطلاق النار.

المراسلة: ما هو الدور الذي ستلعبه صحافة البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تغطية هذه المآسي في المستقبل؟

سينيد باوتشر: نحن نستخدم بالفعل صحافة البيانات في تغطيتنا لحوادث إطلاق النار والأخبار المتعلقة بثقافة سيادة البيض. ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تكون سيفاً ذو حدين، وهو ما أظهره الانتشار السريع للمحتوى الرقمي المشين على منصات تقودها برامج وخوارزميات قائمة على الذكاء الاصطناعي مثل يوتيوب وفيسبوك. ولا يحتاج هذا الأمر إلى إثبات، لكن مثل هذا الحدث عزز من قيمة الصحفيين على أرض الواقع، حيث تسنى لهم إجراء مقابلات شخصية مع الأشخاص المعنيين بالجريمة البشعة بشكل مباشر.

المراسلة: أخيراً، وبصفتك رئيسة التحرير، ما هي نصيحتك لزملائنا المحررين الذين يواجهون مواقف مأساوية مماثلة؟

سينيد براوتشر: لا يتوجب عليك الانتظار وترقب الحجم الذي ستتخذه قصة ما، يجب عليك شحذ الهمم وحشد الفريق وإخراج جميع الموظفين المتاحين من الباب، ثم العمل على إرشادهم. سيكون الكثير منهم متفانين فيما يقومون به وسيتوجب عليك إجبارهم على التمتع باستراحة، فيجب علينا دائماً تذكر أن تغطية الأخبار ماراثون وليس سباقاً عادياً.

أجرت هذه المقابلة شبكة المحررين العالميين، وترجمها فريق اسطرلاب للعربية.