ما العيب في التمويل الخيري للصحافة؟

يلعب التمويل الذي تقدمه المؤسسات الخاصة دورا حيويا في ملء الفراغات التي تتركها وسائل الإعلام التقليدية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجالات مهمة مثل الصحافة الاستقصائية والصحافة الدولية والصحافة المحلية.

أما بالنسبة للأخبار الدولية، فإن ست من أصل تسع من أكثر الوسائل الإعلامية المنتشرة وغير الربحية المتخصصة في تغطية القضايا الإنسانية، تعتمد بشكل كامل تقريبا على دعم المؤسسات الخيرية. من بينها موقع The Guardian Global Development، وIRIN News، وNews Deeply، وNPR Goats & Soda، ومؤسسة the Thomson Reuters Foundation، وUN Dispatch.

على الرغم من أن جزءا هاما من الصحافة غير الربحية لن يكون موجودا دون المنظمات الخيرية، إلا أنه من المهم أن نتساءل حول كيفية تأثر هذا القطاع بالجهات المانحة لهذا التمويل، مثل مؤسسة بيل وميلندا غيتس، وشبكة أوميديار، ومنظمة أوبن سوسايتي.

الأمر يتجاوز مسألة تهديد الاستقلالية

لطالما كانت هناك مخاوف سائدة حول إمكانية تسبب التمويل الخيري للصحافة في تراجع استقلالية العاملين في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، حذر الأستاذ في جامعة نيويورك رودني بينسون من أن “المنظمات الإعلامية المعتمدة على تمويل المؤسسات الخيرية تواجه خطورة الوقوع تحت تأثير أجندات هذه المؤسسات، وتحديدها للمواضيع ذات الأولوية التي يجب التقصي عنها”.

لكننا نعتقد أن هذه المخاوف لا تأخذ بعين الاعتبار الصورة الكاملة، إذ أن البحث الذي قمت به مؤخرا مع المدير المؤسس لشبكة أبحاث الأخبار الإنسانية ميل بونس، والمستشارة في جامعة أدنبرة كايت رايت، التي تضمنت 74 حوارا مع صحفيين وممثلين عن منظمات في مجال مؤسسات الأخبار الدولية غير الربحية، أظهرت أن تأثيرات تمويل المؤسسات الخيرية تتجاوز بكثير مسألة استقلال الصحافة.

في الواقع، ليس من مصلحة هذه المؤسسات الخيرية أن يُنظر إليها على أنها تتدخل في الاستقلال التحريري لوسائل الإعلام، لأن هذا الأمر سوف يضر بسمعة الوسيلة الإعلامية التي تقوم بدعمها. ولعل هذا ما فسره محرر في أحد المواقع الإخبارية المدعومة من المؤسسات، حيث قال إن “ممولينا كانوا واضحين بشكل كبير وأكدوا أنهم لا يريدون التحكم في التغطية الصحفية، لأنهم يعلمون أن القيمة الحقيقية التي نقدمها هي العمل الصحفي الاستثنائي والممتاز الذي يحظى بالمصداقية. هذه هي العملة الحقيقية التي تغطي احتياجاتنا المالية، لأن لا أحد يشكك في توجهاتنا، وبصراحة إن المحتوى مدفوع الثمن عادة لا يحظى بالاحترام وينظر إليه على أنه غير نظيف”.

عوضا عن ذلك، أظهر بحثنا أن تمويل المؤسسات يؤثر بشكل غير واضح على “حدود” العمل الصحفي الخيري الدولي، والطُرق التي يفهم بها الصحفيون عملهم ويقومون به على أرض الواقع. وقد تمكنا خلال بحثنا من تحديد ثلاث طرق يمكن من خلالها لتمويل المؤسسات أن يغير الصحافة الخيرية الدولية.

تحسين الحضور والبروز

أولا، من أجل التأثير على الأجندات التحريرية للوسائل الإعلامية، نادرا ما تطلب المؤسسات علنا تمويل الصحافة الدولية. وعوضا عن ذلك، يتم هذا التمويل عبر مسار توددي وغير رسمي تتعرف خلاله المؤسسات والصحفيون على بعضهم البعض، ويبحثون عن المجالات التي توجد فيها مصالح مشتركة.

لسوء الحظ، من بين الآثار غير المرغوبة لهذه العملية التوددية والطويلة أن وسائل الأخبار يمكن أن تصرف وقتا كبيرا وموارد هامة في بناء علاقات مع عدد من ممثلي هذه المؤسسات، وهو ما يمنحهم فرصة زيادة بروزهم وحضورهم على الساحة. هذا الأمر ليس هينا، لأنه يستنزف قدرات المؤسسات الإعلامية ويخفض من حجم تغطيتها الإخبارية.

تعتبر غليندورا مايكل، النائبة السابقة لمدير مشروع الصحافة الدولية (آي أر بي)، أن ترددها في صرف الأموال من أجل جلب أموال أخرى إضافية وتركيزها فقط على صرف الموارد على تغطية العملية الإخبارية، هو ما أدى لإغلاق هذا المشروع في بداية سنة 2018. وأوضحت غليندورا أنه “من أجل الحفاظ على تنافسيتنا، كان علينا أن نصرف الكثير من الأموال على أنفسنا عوضا عن صرفها على البرنامج الصحفي. لقد كنا في حاجة إلى إعادة تصميم موقعنا الإلكتروني وهو ما كان سيدر علينا عشرات الآلاف من الدولارات، كما كنا نحتاج لشراء تذاكر طيران غالية الثمن وحجز غرف في فنادق من أجل حضور مؤتمرات يحضرها منافسونا والممولون المحتملون، لكننا لم نفعل ذلك“.

ينطوي على هذه العملية غير الرسمية الرامية إلى تأمين التمويل للمؤسسة الإعلامية تفضيل الأسماء الكبرى، مثل صحيفة الغارديان، التي تتمتع بالقدرة على استيعاب المهام الإعلانية والترويجية المطلوبة منها. وهو ما ذكره أحد من حاورناهم في هذه الدراسة، حيث قال إن “نفس مجموعة الأسماء تحصل دائما على التمويل، وأنا أتفهم بشكل عملي سر نجاحهم، ولكن هذا الأمر يصعب مهمة خروج بقية الوسائل الإعلامية إلى الناس”.

التأثير على الضجة الإعلامية عوضا عن التأثير الحقيقي

ثانيا، تطالب أغلب المؤسسات الخيرية التي تدعم الصحافة الدولية هذه الصحف بتقديم أدلة على التأثير الذي أحدثه نشاطها. وهذا يمكن أن يؤثر بطريقة غير مباشرة على طبيعة العمل الصحفي الدولي. وبشكل خاص، تدفع هذه الشروط المنصات الإخبارية إلى التركيز على إنتاج المحتوى الذي سوف تكون له تأثيرات واضحة. ومن المفهوم أن هذه التأثيرات يجب أن تأخذ وقتا أطول وتكون مفصلة، وخارجة عن المألوف، وموجهة لشرائح معينة من المتابعين، مثل السياسيين وصناع القرار.

فعلى سبيل المثال، شجع أحد مدراء المؤسسات الخيرية الصحفيين الحاصلين على دعمه على التفكير في الأثر الممتد لوقت طويل، معتبرا أن العمل الذي يأخذ وقتا ويبقى بارزا هو أكثر جاذبية في عالم العمل الخيري من الأخبار العاجلة والتقارير المرتبطة بالقضايا الحينية الساخنة.

توجيه التغطية الصحفية الدولية نحو مواضيع محددة

ثالثا، من بين أكثر أنواع الدعم التي تقدمها المؤسسات للصحافة الدولية، الدعم الهادف لتغطية الأخبار المتعلقة بموضوع محدد، مثل التنمية الدولية أو العبودية بأشكالها الحديثة. ويسمح هذا التمويل المرتبط بمواضيع محددة للصحفيين بالتمسك بالقول إن استقلاليتهم لم تتأثر، بما أن الأخبار التي هم مطالبون بالتركيز عليها ليست محددة بشكل دقيق، بل تترك لهم حرية اختيار القصص والمواضيع ضمن مجال واسع. على نحو مماثل، تمكن هذه الطريقة المؤسسات من التمسك بأنها بصدد مساعدة وتسهيل التغيير في مجالات الاهتمام التي تحددها.

لكن إذا كان مثل هذا الدعم المخصص لمواضيع معينة هو مصدر التمويل الوحيد للتغطية الصحفية الدولية، فإنه سيؤدي إلى خفض التغطية الصحفية للمواضيع والمجالات الأخرى التي لا تشملها اهتمامات الأطراف المانحة. وفي حديثه عن هذا الأمر، بين أحد الصحفيين: “لأننا نعتمد على تمويل خارجي، فإننا نميل للنظر إلى تغطياتنا الصحفية على أنها مشاريع منفصلة”.

في الواقع، يعني ذلك أيضا أن المؤسسات الإخبارية الممولة من قبل المنظمات الخيرية سوف تميل إلى القيام بعملها الصحفي بطرق مرتبطة بمجالات نشاط الجهات المانحة، أي أنها ستبدأ بتناول كل القضايا من منظور الصحة العالمية أو تجارة البشر، إذا كان هذا هو محور اهتمام الجهة الممولة لها.

من الذي يقرر؟

بسبب هذه العوامل الثلاثة، فإن تمويل المنظمات الخيرية لوسائل الإعلام سيؤدي في النهاية إلى توجيه التغطية الإخبارية الدولية إلى نتائج محددة سلفا، وتوجيه الصحافة التوعوية والتوضيحية نحو مجالات ومواضيع محددة.

لا يمكن الجزم بأن هذه التغييرات التي تشهدها الصحافة الدولية كلها جيدة أو سيئة. فربما يكون توجيه التغطية الإخبارية نحو مواضيع محددة إيجابيا إذا ساهم في توجيه الاهتمام نحو القضايا الشائكة والدولية مثل الهجرة الجماعية والصحة الدولية. وبنفس الشكل، يمكن لهذا التوجه أن يصبح مدانا إذا أدى إلى تهميش التغطية الإخبارية الدولية لمواضيع عميقة لمجرد أن هذه المواضيع لا تجتذب شرائح اجتماعية معينة. وما يثير قلقنا بشكل خاص هو أن طبيعة الصحافة الدولية والدور الذي تلعبه في الديمقراطية يشهد تغييرات على يد مجموعة من المؤسسات الخيرية، وليس على يد الصحفيين أنفسهم.

مؤخرا، اقترح عدد من الصحفيين والمحللين أن يتم العمل على زيادة عدد المؤسسات الداعمة للصحافة خلال سنة 2019. وفي وقت سابق من هذا الشهر، توقعت مديرة مشروع إيرين نيوز هبة علي أن أعدادا متزايدة من المؤسسات الخاصة سوف تبدأ بتمويل الصحافة الدولية غير الربحية بشكل خاص. وبلا شك، سوف يكون ذلك خبرا مفرحا في قطاع الصحافة غير الربحية التي تعاني من شح الموارد والتبرعات لمواصلة نشاطها. ولكن إذا ارتفع عدد المؤسسات النشطة في هذا المجال، فإنه يجب على الصحفيين ألا يفكروا فقط في كيفية حماية استقلاليتهم، بل أيضا في أنواع الإنتاج الصحفي الذي يريدون تقديمه.


* هذه المقالة كتبها  مارتن سكوت، ونشرت أولاً في موقع مختبر نيمان للصحافة، التابع لجامعة هارفارد، وترجمها فريق اسطرلاب للعربية.

** الصورة الرئيسية تُظهر وارن بافيت يشاهد بيل غيتس وهو يشارك في مسابقة رمي الصحف التي تقام على هامش الاجتماع السنوي لمالكي أسهم شركة ميركشاير هاثواي، المملوكة من قبل بافيت، في أوماها بالولايات المتحدة في مايو 2017. ويعد التمويل الذي تقدمه المؤسسات الخيرية الخاصة، مثل تلك التي تعود إلى بيل وميلندا غيتس، أمرا أساسيا لاستمرار نشاط المنصات الإعلامية غير الربحية وواسعة الانتشار المتخصصة في تغطية القضايا الإنسانية حول العالم.