هكذا أصبحنا أهدافاً للإعلانات الممولة

بالمشاركة مع بنان جوابرة

لسنينٍ طويلة، ظلت شركات الدعاية والإعلان تصبُّ جلّ طاقاتها لكسب اهتمام الناس لنشر وإيصال مادتهم الإعلانية، وباعتبارها جزءاً من علوم التسويق والاقتصاد، فقد اعتمدت الشركات في إعلاناتها على إحصائياتٍ مختلفة المتغيرات، إذ تعتمد هذه المتغيرات بالأساس على اهتمامات الناس، بالإضافة إلى عدة عوامل أخرى تلعب دوراً هاماً في تحديد هذه المتغيرات؛ مثل المنطقة الجغرافية، والفترة الزمنية، والطبيعة الديموغرافية المُستهدفة، وغيرها من المتغيرات التي تزداد تنوعاً يوماً بعد يوم، ما يجعل من طرق حسابها رياضياً أمراً صعباً. وكنتيجةٍ لهذه التعقيدات، برزت الحاجة لاستخدام الحاسوب في عمليات تحليل بيانات الشركات المُعلنة، مثل برمجية تحليل البيانات SPSS عام 1968 التي استحوذت عليها شركة آي بي إم IBM فيما بعد عام 2010.

كان لهذه البرمجية وشبيهاتها من البرمجيات الإحصائية التحليلية الفضل الأكبر في تطور العلوم الاقتصادية تطوراً هائلاً، حيث نتجت عنها فروع بحثية وتطبيقية حديثة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعلوم الاجتماعية كما يظهر جلياً في الأعوام الأخيرة.

شبكة إنترنت علمية أم تجارية؟

لم يقتصر دور الشبكة على المواد العلمية وحسب، بل إنها اكتسبت طابعاً تجارياً عام 1989، حيث كانت الإعلانات التجارية ممنوعة قبل ذلك، وذلك تطبيقاً لسياساتِ بعض الشركات الأولى والرائدة في عالم الويب وشبكات نقل البيانات مثل NSFNet وARPANET، واعتَبرت الأخيرةُ شبكة الويب شبكةً غير ربحية وإنما -كما كانت في بداياتها- ذات طابعٍ بحثي وعلمي.

ولتحقيق تلك السياسة، برز مصطلح جديد في عالم تبادل البيانات الإلكترونية، هو مصطلح Spam أو Junk وكلتاهما تشيران إلى الرسائل غير المرغوبة على البريد الإلكتروني، إذ يتم تحديدها في الغالب من عناوينها الجذابة أو من محتوياتها من الروابط غير الآمنة التي من الممكن أن تسبب الضرر للمستخدم.

بعد فترة قصيرة، تم إنشاء أول شركة تسويقٍ عبر البريد الإلكتروني، تبعها قيام بعض الأشخاص بنشر إعلاناتٍ إلكترونية يعرضون فيها خدماتهم القانونية، مما حدى بمسؤولي الشبكة إلى رفع سقف سياسات قبول الإعلانات الإلكترونية في ذلك العام، الأمر الذي فتح المجال لتطور سوق الإعلانات الممولة.

الإعلانات الممولة طرقاً للكسب

استمرت الإعلانات الإلكترونية بالتطور منذ أوائل التسعينيات، ظهر ذلك جلياً في أساليب عرضها داخل صفحة الموقع الإلكتروني. كما تطورت طرق الكسب المادي من خلال هذه الإعلانات الممولة، كان أبرزها أن يقوم القارئ بالنقر على الإعلان الممول فيتم إعادة توجيهه إلى صفحة أخرى تعرض له محتوى معين لقاء مقابلٍ ماديّ يُدفع لصاحب الموقع الذي يُنشر فيه الإعلان بناءً على عدد النقرات على رابط الإعلان أو عدد المشاهدات المسجلة.

وبعد ذلك، ظهرت أماكن جديدة للإعلان عليها إلكترونياً أبرزها محركات البحث والتي اعتمدت على الكلمات المفتاحية للمحتوى على الإنترنت أشهرها برنامج جوجل أدووردز AdWords المنتج الرئيسي لإعلانات شركة جوجل Google والذي ظهر عام 2000، ويعتمد على مبدأ الدفع مقابل النقرة (Pay-per-click). بلغت عائدات جوجل الإعلانية بفضل هذا البرنامج حوالي 28 مليار دولار في عام 2010.

كيف تتبعك الإعلانات؟

حسناً، إذا قررنا الولوج إلى كواليس الإعلانات، حيث مصنع الإعلانات الذي يتم فيه اختيارك أنت شخصياً لتلقيها، سنجد أن المصنع الإلكتروني هذا ينقسم إلى قسمين أساسيين يعملان على إنجاز مهمة إيصال الإعلان الذي يعبر عن اهتماماتك إليك، هما: صاحب الإعلان، والمنصة التي تنشر هذا الإعلان.

بالمقام الأول: هناك المُعلِن؛ أي المُهتم ببدء حملةٍ إعلانية لعلامته التجارية، أو منتج معين، أو خدمة محددة. يقوم المُعلِن بالتواصل مع وكالة إعلانات تقوم بالجزء الأهم من الحملة الإعلانية وهو البدء فيها وإدارتها.

وكما هو مُشاهد، تتنافس وكالات الإعلانات فيما بينها وتتميز عن بعضها البعض بأساليب العرض والإبداع في إيصال الإعلان لأكبر عدد ممكن من الفئات المستهدفة.

لنبدأ بالقسم الأول في هذا المصنع العجيب. هناك موظفو الاستقبال، الذين يستقبلون طلبات الإعلان من المُعلنين، حيث تُفرز هذه الطلبات حسب تصنيف الإعلان بشكلٍ عام. وتتنوع هذه التصنيفات ما بين (إعلانات عقارية، تعليمية، بيع إلكتروني، … إلخ)، ثم تمرر الطلبات إلى معملٍ مختص بتحليل البيانات المرتبطة بالإعلانات لتحديد الكلمات المفتاحية (Keywords) والتي بواسطتها يتم إيجاد الأشخاص المُستهدفين بالإعلان، من خلال قاعدة بياناتٍ كبيرة تحتوي على معلوماتٍ كثيرة تخصهم. يتم جمع المعلومات من ملفات تعريف الارتباط (Cookies)، ومواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المعلومات التي قد لا تخطر على بالك، مثل البيانات الديموغرافية (يتضمن ذلك موقع وعمر ولغة المستخدمين)، والبيانات السلوكية (مثل أنواع الأجهزة والمتصفحات)، وغيرها.

هنا، في هذه المرحلة من تحليل البيانات وإيجاد العلاقات، يظهر مفهوم “الشبكة العصبونية الاصطناعية” (Artificial Neural Network) حيث يعتبر هذا المفهوم أحد أهم مفاهيم علم الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) ونموذجاً من النماذج الرياضية الأساسية في علم الشبكات، وعلماً من علوم الحاسوب البيانية. اشتق هذا المفهوم أساساً من آلية عمل العقل البشري، فهو يحتوي على خلايا عصبية مسؤولة عن عمليات التفكير واتخاذ القرارات استناداً على قدرتها على تمييز الأشياء. تعتبر قضية “تمييز الأشياء” تحديداً جوهر إنشاء هذا المفهوم، كأحد فروع علم الذكاء الاصطناعي. وتعتمد الخلايا العصبية البيولوجية على التشابك فيما بينها لتحقيق أكبر قدرٍ من التمييز والإدراك. وكذلك الشبكات العصبونية الاصطناعية، إذ تعتمد هذه الشبكات بشكلٍ رئيسي على الشبكات لتخزين المعلومات ضمن قواعد بيانات شبه مستقلة، وإيجاد العلاقات فيما بينها والتعلم منها عن طريق التجربة والخطأ.

أحد أشهر الأمثلة وأبسطها لفهم مفهوم الشبكات العصبونية هذه، هو مثال الأرقام المدونة بخط اليد، حيث تُعطى الشبكات قيماً أساسية -وهي الأرقام في مثالنا- لاعتمادها كنظامٍ مرجعي معلوماتي، وللبناء عليها. وفي المراحل التالية يتم تطبيق مبدأ التجربة والخطأ لبحث التطابق بين المدخلات والبيانات الأساسية والتعلم من النتائج.

مثلا تُدخل صورة لرقمٍ معين مكتوبٌ يدوياً إلى البرمجية المتخصصة في تحليل البيانات والتعرف عليها باستخدام الذكاء الإصطناعي، فتقوم البرمجية بتجريد الصورة إلى أصغر أجزائها، وهو البكسل Pixel، الذي يُعبر عنه بمربع ذو درجة لون محددة ليمثل المحتوى البصري.

تجريد الصورة المُدخلة المراد فهمها إلى وحداتها الأساسية من البكسلات. المصدر 3Blue 1Brown.

بعد ذلك، يبحث نظام الذكاء الاصطناعي تطابق هذه المربعات (البكسلات) من حيث مواقعها في الصورة ودرجة لونها مع القيم الأساسية المُعرّفة مسبقاً داخل قواعد البيانات. وكلما ازدادت المعطيات، كلما كانت النتيجة أدق. من الجدير بالذكر، أن الشبكات العصبونية الاصطناعية هذه لديها خاصية شبيهة بالعصبونات البيولوجية في عقل الإنسان، وهي أن هذه العصبونات تقوى كلما تم استعمالها أكثر، أي أنها في حالة تطورٍ مستمرة إلى مالا نهاية!

ezgif.com-video-to-gif

المقارنة بين القيم الأساسية المعرفة مسبقاً والمعلومات المُدخلة المتشابهة، المصدر 3Blue 1Brown.

عند حديثنا عن إيجاد علاقاتٍ بين المتغيرات، أو الكلمات المفتاحية، سيبدو الأمر للوهلة الأولى وكأننا نتحدث عن علم الإحصاء البياني، بيد أن الشبكات العصبونية الاصطناعية في الواقع علم متقدم جداً من علم الإحصاء ودراسة البيانات، حيث بإمكان هذه الشبكات تكوين علاقاتٍ جديدة بين المتغيرات دون توجيه مسبق، لتكتسب خبرة جديدة لم يقم أحد بتلقينها إياها من قبل.

كيف تستفيد الإعلانات من هذا النظام الذكي والمعقد؟

حسناً، لفهم ذلك، دعنا نطرح مثالاً سريعاً. لنفترض أنك أثناء تصفحك لمنصةٍ ما من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، تفاعلتَ مع منشورٍ يتعلق بمنحةٍ دراسيةٍ ما، ستقوم المنصة بتسجيل تفاعلك مع هذا المنشور بالإضافة إلى بعض بياناتك التي سبق وأن تم جمعها وتخزينها في ملفك التعريفي من سجل تعريف الارتباط، ثم يتم معالجتها بتجريدها إلى كلماتٍ مفتاحية متعلقة بالمنح الدراسية مثل (منحة، دراسة، جامعة، تبادل، كلية، دراسات عليا، … إلخ)، ثم يقوم النظام بربط الكلمات المفتاحية المتعلقة بملفك الشخصي بالكلمات المفتاحية الجديدة، وإيجاد مجموعة من العلاقات “الذكية” بينها، ليؤدي أخيراً إلى ترابطهم مع كلماتٍ مفتاحية أخرى تمثل الإعلان الممول، لتصبح أنت هدفاً لهذا الإعلان الذي مرّ بعدة مراحل معقدة رياضياً ليصل إليك في نهاية المطاف.

فيسبوك مثلاً، تهتم باستهداف متغيراتٍ معينة أكثر من غيرها: مثل الموقع الجغرافي، والفئة العمرية، والجنس، والاهتمامات، والعلاقات، والحالة الاجتماعية، واللغات، والتعليم، وأماكن العمل.

يتم ربط هذه المتغيرات ببعضها البعض مع مختلف المعلومات الإضافية التي من الممكن الحصول عليها من قواعد بياناتٍ أخرى تستخدم التعلم الاصطناعي أو تمارس “التنقيب في البيانات” Data Mining، للخروج بمختلف الأشكال من الإعلانات التي تراها يومياً أثناء تصفحك منصة فيسبوك أو غيرها من المنصات الالكترونية.

بناءً على ما سبق، نجد أن الإعلانات الممولة تستند في عملها بشكلٍ أساسي على فهم المستخدمين من خلال جمع أكبر قدر من البيانات عنهم، ثم تقوم بتحليلها وربطها. من هنا ينبثق سؤال الخصوصية حول كمّ البيانات التي يتم جمعها عنها يومياً وفيم يتم استخدامها؟ فكما تناولنا في مقال سابق، لا يعرف أحد ما يمكن أن تؤول إليه بياناته الشخصية، خصوصاً بعد أن سمعنا عن قضايا شراء وبيع وتسريب هذه البيانات بكثرة في الآونة الأخيرة.

يعتقد بعض الناس أن شركة مثل فيسبوك تقوم بالتنصت على محادثاتنا اليومية من خلال البيانات التي يتم تداولها يومياً على المنصة أو الماسنجر بكافة أنواعها (نصوص، أو صور، أو فيديو) لاستغلالها في سبيل الاعلانات الممولة، وعلى الرغم من نفي الشركة المتكرر لهذه الاتهامات، إلا أنّها أو أياً من المنصات الأخرى لا يمتلك أن يعطي للمستخدمين ضماناً على ذلك.