البودكاست العربي.. فرص وفيرة وملعب فارغ

شهدنا في السنوات الأخيرة هيمنة المحتوى المرئي -الصور والفيديو- على وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث أصبحت كل منصة محتوى مكتوب مهددة بالانقراض إن لم تلحق بموجة الإنتاج المرئي، الأمر الذي وُجّه وأدير جزئياً بدفع من الشركات الكبرى التي -لأسباب تجارية- منحت الصورة والفيديو أولوية وأفضلية في خوارزميات شبكات التواصل.

إلا أن هذا الزخم الذي تمتعت به شبكات التواصل والاعتماد الأساسي عليها كمنصات جامعة لكافة “وسائل الإعلام” وكمصدر أساسي وموثوق للمعلومة والخبر، بدأ يخفت مؤخراً، وفقاً لمؤسسة رويترز، إذ نشهد موجة ارتداد لا يمكن تجاهلها، وهو ما قد يفسح المجال لصعود منصات أخرى، أبرزها المنصات الصوتية أو ما يعرف بـ “البودكاست”.

مستقبل الصوت

وفق تقرير “Digital news Report 2018” الصادر عن مؤسسة رويترز، فإن تحوّلاً كبيراً يطرأ مؤخراً على كم الإقبال على منصات الصوت، وهو ما ينبع بالأساس من ثلاثة أسباب:

  1. الهجرة العكسية من منصات التواصل.
  2. سهولة التوزيع.
  3. رفع جودة المحتوى.

وبناء على هذه الأسباب يمكن التنبؤ بمستقبل أكثر ازدهاراً للمنصات الصوتية. فإن أخذنا السبب الثاني، فلا شك أن سهولة التوزيع والبث تقنياً ستصبح أسهل. فهي تشهد هذا النمو باعتمادها على الهواتف الذكية والتطبيقات الصوتية فيها، وعليه فإن دخول تكنولوجيا إنترنت الأشياء وما نتج عنها من أجهزة مثل جوجل هوم أو السماعات الناطقة والمساعدات الصوتية سيجعل من الاستماع الخيار الأول، خاصة مع تفاعل تطبيقات الأخبار مع هذا التوجه. فتطبيق مثل “كوارتز” (Quartz) بدأ بتطوير ميزات في تطبيقه تسمح بالتفاعل الحواري مع السمّاعات والأجهزة الصوتية.

وبالأرقام، يعرض التقرير نتائج دراسة إحصائية أجراها على عدة دول (لا دول عربية في القائمة) لفحص إقبال المستخدمين على منصات الصوت. بشكل عام، (34٪) من المشاركين في الدراسة يستمعون إلى ملف بودكاست شهريًا على الأقل، مع وجود اختلافات كبيرة بين الدول. إذ تبلغ شعبية برامج البودكاست في أيرلندا (38٪)، بينما في المملكة المتحدة (18٪) على الرغم من أن إنتاج البودكاست في بريطانيا واسع النطاق وعالي الجودة، إذ تعدّ هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) رائدته.

إحدى التفسيرات ترى بأن شعبية البودكاست تكثر في دول مثل الولايات المتحدة (33٪) وأستراليا (33٪) حيث يقضي الناس الكثير من الوقت في سياراتهم. وقد ترتبط مستويات الاستخدام المنخفضة في هولندا (18٪) بوجود مسافات أقل أثناء التنقل والمزيد من رحلات الدراجات. لكن هذا لا يمكن أن يكون التفسير الكامل. فهناك عوامل هامة أخرى مثل الولاء للراديو وكم المعروض وقوة الترويج. وبطبيعة الحال، وفقاً للتقرير ذاته، فإن الشباب (أقل من 35 عام) أكثر ميلاً للاستماع للبودكاست أكثر ممن هم أكبر من 45 عاماً، إذ استمع الشباب إلى ضعف العدد. برغم ذلك، يبقى هناك تحدٍ كبير أمام المنصات لجذب جيل الألفية صعب المراس.

البودكاست… راديو مخصص؟

البودكاست هو نوع بث صوتي مخصص بدأ بالانتشار في العقد الأخير بالتزامن مع التطور التكنولوجي الذي أتت به الهواتف الذكية، التي أصبحت بدورها أداة بث وإنتاج إضافة لكونها وسيلة اتصال. وبالتزامن أيضاً مع توجهات منصات المحتوى نحو تقديم محتوى مخصص للمستخدم -سواء كان مستمعاً أو قارئاً أو مشاهداً-وتفاعل الأخير إيجابياً مع هذا التوجه الذي -على ما يبدو- يغذّي حاجة ما لديه.

“علاقة البودكاست بالراديو كعلاقة يوتيوب بالتلفاز، يمكن القول إن البودكاست هو محتوى صوتي رقمي حسب الطلب” هكذا عرّف رمزي تزدل (Ramsey Tesdell)، شريك إداري في منصة “صوت” للمحتوى الصوتي الرقمي العربي، البودكاست، خلال حديثنا معه. كما أكد أن منصات الصوت ليست منافسة لمنصات الفيديو، قائلاً: “نحن لا نحاول التنافس مع الفيديو. نعتقد أن البودكاست مكان رائع لرواية قصص أطول. لكنه لا يتنافس مع الفيديو إنما يكملّه. فنحن نستمع أو نشاهد محتوى رقمي في أوقات مختلفة من اليوم”.

وأشار تزدل أن استخدام الصوت فقط يتيح طرح مواضيع حساسة بسلاسة أكبر ويساعد بتحسين تجربة الإعداد والاستماع. وهو ما أكدت عليه الصحفية عبير قبطي، معدّة ومقدمة الموسم الثالث من بودكاست “عيب”، الذي –بموجب اسمه – يطرح مواضيع حساسة اجتماعياً للنقاش، ويتم من خلاله استضافة ضيوف ليقصّوا تجاربهم المرتبطة بموضوع الحلقة الـ “عيب”.

عبير ذاتها اقتنصت الموسم الثالث للحديث عن همّ يشغلها كأم في إحدى الحلقات، ومن الصعب تقبّل نقاشه اجتماعياً في السياق اليومي العام باعتباره “تابوو”، ويفتقر إليه المحتوى العربي الرقمي. فمن وحي تجربتها الشخصية كأم ناقشت عبير “قالب الأمومة السعيد” الذي يفرض على كل أم جديدة تبنّيه والتصرف وفقه، برغم كون تجربة الأمومة والتربية تجربة صعبة تحمل تحديات كثيرة يجب التعبير عنها وطرحها لدفع المجتمع استيعاب وجودها.

وهنا تؤكد عبير أن إنتاج هذه المواضيع تحديداً على شكل محتوى صوتي كان مناسباً وأضفى نوعاً من الحميمية والقرب في العلاقة الثلاثية بين مقدّمة البرنامج والضيوف والمستمعين أيضاً، وهو ما يغيب في منصات أخرى. كما أن غياب الصورة خلق تحدٍ آخر خلال تجربة الإنتاج، وهو الحفاظ على المستمع وتحويله إلى مصغٍ ومنصت للكلام، قادر على تخيّله والتقاط معناه الكامل، باستخدام حاسة واحدة فقط، السمع. بالنسبة لعبير، هذا التحدي هو الميزة الجوهرية للإنتاج الصوتي، فعند الحديث عن البودكاست فإن “المضمون هو الأساسي والمركزي والأهم”.

الصوت.. ملعب فارغ

مقابل التنافس الطاحن بين منصات المحتوى على إنتاج الفيديو لشبكات التواصل الاجتماعي والقصص المصوّرة لإنستغرام مثلاً، يظهر مجال الإنتاج الصوتي مثل “ملعب فارغ”، خاصة في العالم العربي، وهو ما يتيح مساحة حرة وواسعة للابتكار. هنا يضيف تزدل قائلاً إن “المحطات الإذاعية لم تبتكر على صعيد المحتوى في الثلاثين عامًا الماضية. نفس الشيء الذي حدث للتلفزيون سيحدث قريبًا جدًا للصوت”. وعليه فإن القائمين على “صوت” يحجزون مكانهم في مقدمة هذا التغيير ومنفتحون على تجربة الإمكانيات في مجال الصوت في العالم العربي، خاصة أن تكلفة إنتاج محتوى صوتي أوفر بكثير من تكلفة الفيديو.

“حالياً، المحتوى العربي المتاح محدود للغاية. لا يوجد سوى حفنة من الحلقات التي تنشر بانتظام وتقريباً لا أحد ينتج برامج صوتية مهنياً، بمعنى أنها وظيفة بدوام كامل. لذلك هناك مساحة كبيرة تسمح لمزيد من المنتجين بوضع وتطوير استراتيجيات محتوى صوتي جديدة ومحتوى جديد، خاصة أن وسيلة الإعلام بهذه الحالة هي الهاتف الذكي، والجميع لديه هاتف!” أضاف تزدل.

وبالفعل، تكفيك جولة سريعة داخل تطبيقات التدوينات الصوتية الشهيرة مثل بودكاست (آبل) وستيتشر (stitcher) (أندرويد) وجوجل بودكاست وسبوتيفاي (Spotify)، أو “ساوند كلاود” حتى تلاحظ قصور المحتوى الصوتي العربي هناك، كمّاً ونوعاً. ففي تطبيق بودكاست تكاد لا تجد محتوى معدّ خصيصاً لهذه المنصة ولمستخدميها الذين يبحثون عن تجربة استماع مختلفة عن تلك الذي يقدمها الراديو أو التلفاز إذا ما تجاهلنا الصورة. فما تبقى من البرامج العربية المذاعة في التطبيق يقتصر -بغالبيته- على كونه نسخاً مكرّرة من برامج تلفزيونية لوسائل إعلام شهيرة أبرزها الجزيرة، فرانس 24 ودويتشه فيله، التي لا تراعي على الإطلاق خصوصية المنصة المعتمدة على الصوت بشكل أساسي وتخدم المستمع العجول المغمور بالمحفزات الذهنية المشتّته، التي فرضها عليه انضمامه لمجتمع مستخدمي الهواتف الذكية.

إضافة لذلك تركز الكثير من برامج البودكاست العربية على المحتوى التقني والألعاب الإلكترونية، فيما يغيب الاجتماعي والصحفي والسياسي والثقافي تقريباً.

لا زالت ساحة الصوت الرقمي العربي فارغة برغم تنوع ممكناتها وتوسيعها المحتمل لهامش حرية التعبير باستخدام أدوات رقمية لا تحجبها الرقابة بسهولة. وعليه فإن الفرصة متاحة لإثراء المحتوى الصوتي الرقمي الذي يراعي المستمع العربي الحديث، المستخدم للهواتف الذكية كوسيط بينه وبين جميع وسائل الإعلام، والباحث عن المعرفة والنقاش والمحتوى المثري، ولا يملك أو لا يريد رفاهية الجلوس والتحديق بالشاشة.