هل وسائل الإعلام متحيزة أم القراء منحازون؟

تظهر استطلاعات أجرتها مؤسسة “غالوب” الأمريكية للدراسات أن شكوك الأمريكيين تزايدت بشأن الأخبار التي يمكن أن تكون منحازة. ولكن يجب على هؤلاء أن ينتبهوا أيضا إلى مدى حيادية أحكامهم الذاتية، إلى جانب مدى تأثر أحكامهم بطريقة استهلاكهم للأخبار.

يساهم الانحياز الذي يحمله بعض القراء في تحريف تقييمهم للمحتوى الإخباري، وذلك بحسب أبحاث جديدة أجريت في هذا الشأن، كما أن أولئك الأكثر تشككا في وسائل الإعلام هم في الواقع القراء الأكثر تحيزا. كما تشير الدلائل إلى أن الناس يكونون أكثر عرضة للوقوع في الانحياز، إذا تعودوا على متابعة المصادر الإخبارية الأكثر تطرفا، مثل تلك المصادر التي لا يعتمد عليها الأشخاص المعتدلون سياسيا.

كيف يمكن دراسة الانحياز

ابتكر علماء الاجتماع مجموعة من الطرق للبحث في الانحياز، الذي لطالما عرف بأنه يصعب قياسه. وفي إحدى الدراسات الشهيرة، تمكنت عالمتا الاقتصاد كلاوديا غولدن وسيسيليا راوز من إثبات أن حصة النساء المقبولات ضمن مجموعة الأوركسترا في إحدى المدن تزايدت بشكل واضح بعد أن تم منع المشرفين على اختبار القبول من رؤية العازف أثناء الاختبار، وبالتالي تم إجبار هؤلاء المشرفين على إصدار أحكامهم بناء على جودة الأداء دون معرفة جنس الشخص.

يتمثل الدرس المستخلص من هذه التجربة وباقي الدراسات التي أنجزت حول التمييز في أن إخفاء المعلومات غير ذات الصلة، يمكن أن يزيد من درجة إنصاف الحكم. ولهذا السبب، هنالك إجماع شبه كامل في صفوف العلماء على أن تقييم الصحف ووسائل الإعلام يجب أن يتم بنفس الطريقة.

أخبار دون تسمية المصدر

عقدت مؤسسة “نايت” الأمريكية شراكة مع مؤسسة “غالوب” للأبحاث، سنة 2017، لإنشاء منصة إخبارية تجريبية، وذلك في إطار بحث واسع النطاق تم إجراؤه حول هذه الظاهرة. وقامت هذه المنصة بتجميع مقالات إخبارية وأنواع أخرى من المحتوى الإعلامي من مختلف المنصات الإعلامية، ودعت عينة عشوائية من الأمريكيين الذين شاركوا في استطلاعات مؤسسة “غالوب” للمشاركة أيضا في تقييم مدى موثوقية هذا المحتوى الذي تم جمعه.

في هذا الإطار، مُنع النصف الأول من المشاركين من رؤية مصدر الخبر، وسُمح لهم فقط بقراءة المحتوى. أما النصف الثاني من المشاركين، فقد سُمح لهم بالاطلاع على المصدر كما هو الحال في الظروف العادية عند متابعة الأخبار. وفي الإجمال أصدر 3081 شخصا تقييمات حول 1645 مقالا مختلفا، تم نشرها في الأصل في واحدة من سبعة مصادر إعلامية مشهورة.

تظهر هذه النتائج، التي تم التوصل إليها من قبل مؤسستي “غالوب” و”نايت”، أن مجموعة المشاركين غير المطلعة على مصدر الخبر كانت أكثر وثوقا في المحتوى الإعلامي. فالأشخاص الذين يساندون الحزب الجمهوري، والذين قرؤوا مواد إعلامية من مصادر توصف بأنها يسارية مثل “نيويورك تايمز” و”فوكس” دون أن يعرفوا مصدر الخبر، كان تقييمهم أكثر موثوقية في هذه الأخبار مقارنة بالمجموعة التي كانت مطلعة على المصدر.

بنفس الشكل، فإن أولئك الذين يساندون الحزب الديمقراطي، والذين قرأوا محتوى من وسائل إعلامية توصف بأنها يسارية، مثل “فوكس نيوز”، كان تقييمهم لموثوقيتها أعلى، باعتبار أنهم لم يطلعوا على المصدر. وتوفر قاعدة البيانات المذكورة مقياسين جديدين: هما تصنيف موثوقية هذه المقالات من قبل القراء غير المطلعين على المصدر والذين هم أكثر انحيازا، بالإضافة إلى المقارنة مع تقييمات الناس الذين يتابعون الأخبار بالطريقة الاعتيادية، بمعنى أنه سُمح لهم بالاطلاع على اسم المصدر.

لنفترض أن تقييم القارئ لموثوقية مقال إخباري، هو في الواقع حصيلة ثلاثة عوامل: هي مدى جودة المقال نفسه، والآراء الشخصية للقارئ، ورأيه في ذلك المصدر. وهناك تطابق بين ظروف المجموعة الأولى غير المطلعة على مصدر الخبر والمجموعة الثانية المطلعة، باستثناء فرق واحد وهو أن معيار الحكم المسبق على موثوقية المصدر ليس موجودا في الفريق الأول. والفرق بين تقييمي الفريقين لموثوقية المقال هو في الواقع مساو للحكم المسبق حول اسم المصدر في الفريق الثاني، الذي عرضت عليه أخبار مع ذكر مصدرها.

أما أولئك الموجودون في هذا الفريق الثاني، فقد تم احتساب انحيازهم الشخصي بالنسبة لكل مقال من خلال أخذ فرق القيمة المطلقة بين تقييمات الموثوقية لدى كل شخص، والتقييم الجملي لذلك المقال لدى الفريق الأول المكون من قراء غير مطلعين على المصدر، وقد تم اعتماد سلم تقييم من 1 إلى 5، كل عتبة فيه هي 0.5.

من هم الأكثر عرضة للانحياز

من بين كل القراء في المجموعة التي سُمح لها بالاطلاع على اسم الوسيلة الإعلامية التي نشرت الخبر، أظهر 35% انحيازا كبيرا، وهذا يعني أن تقييمهم لموثوقية المقال اختلف عن تقييم المجموعة الأولى بقيمة 1.5 نقطة أو أكثر، ضمن سلم التقييم الذي يتراوح بين 1 و 5.

من غير المفاجئ أن أولئك الذين يحملون آراء سياسية أكثر تطرفا يميلون لتقديم تقييمات للأخبار تكون أكثر انحيازا. وأولئك الذين وصفوا آراءهم السياسية بأنها ليبرالية جدا أو محافظة جدا، أظهروا انحيازا في تقييمهم لـ 43% من المقالات التي اطلعوا عليها، أما أولئك الذين وصفوا آراءهم بأنها معتدلة، فقد أظهروا انحيازا في 31% فقط من المرات التي قرأوا فيها أخبارا. وبنفس الشكل، فإن أولئك الذين يميلون لأحد الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، ولكن لا ينتمون إليه بشكل كامل، أظهروا نفس قدر الانحياز الذي أظهره المعتدلون.

إلى جانب ذلك، تظهر البيانات أن أولئك الذين يساندون دونالد ترمب، يقيمون المقالات الإخبارية بانحياز أكثر من أولئك الذين يعارضونه (39.2% مقابل 32.8 %). ولكن يميل أنصار ترمب إلى أن يكونوا أقل انحيازا من أولئك الذين يعرفون أنفسهم على أنهم “ليبراليون جدا”.

إن اللافت للانتباه في هذه التجربة، أن أولئك الذين هم أكثر تشككا في الوسائل الإعلامية يقدمون التقييمات الأكثر انحيازا على الإطلاق.  وقد طُرح على المشاركين في التجربة السؤال التالي: “بشكل عام، ما هي نسبة الثقة التي تشعر بها تجاه وسائل الإعلام، مثل الصحف والأخبار والراديو، عندما يتعلق الأمر بنقل الأخبار بشكل كامل ودقيق ومتوازن؟”.

قدم أولئك الذين يقولون إنهم لا يثقون في وسائل الإعلام إطلاقا تقييمات منحازة في 47% من المرات، بينما أولئك الذين يثقون في وسائل الإعلام بقدر متوسط، قدموا تصنيفات منحازة في 30% من المرات فقط. وبعيدا عن اسم المصدر، عندما تم تصنيف المقالات حسب موضوعها، سياسية واقتصادية وعلمية، حصلت المقالات السياسية على تقييمات منحازة أكثر بكثير من تلك التي تتعلق بالعلوم والاقتصاد. وإذا ذكر في المقال اسم الرئيس دونالد ترمب أو المرشحة السابقة هيلاري كلينتون، فإن الانحياز كان أكثر وضوحا. ومقابل الآراء السياسية، فإن الخصائص الديمغرافية للقارئ، ومن بينها جنسه وعمره ودرجة تعليمه وعرقه، قدمت تفسيرات محدودة جدا لمسألة الانحياز.

المصادر الإعلامية المختارة تشكل الآراء السياسية

يتمثل السبب الآخر الذي يجعل بعض الأشخاص يظهرون قدرا أعلى من الانحياز عند قراءتهم للأخبار، في أنهم تعودوا على استهلاك أخبار منحازة جدا، تسببت في تحريف طريقة تفكيرهم. وتقدم البيانات التي نشرتها مؤسستا “نايت” و”غالوب” بعض الأدلة على هذا الشيء؛ إذ أن المشاركين في هذه التجربة طرح عليهم السؤال التالي: “هل هناك مصدر إخباري تثق فيه لنقل الأخبار بشكل كامل ودقيق ومتوازن؟”، وأولئك الذين أجابوا بنعم طُلب منهم لاحقا تسمية هذا المصدر الذي يثقون به.

لقد كانت هناك فروقات كبيرة في الانحياز الذي تم قياسه بين مختلف الوسائل الإعلامية التي كان الناس يتابعونها بشكل دائم. فأولئك الذين يتابعون البرنامج الإذاعي الشهير “راش ليمبو”، وموقع “برايت بارت” وقناة “فوكس نيوز”، يميلون لتقديم التقييمات الأكثر انحيازا. وأظهر المستمعون لبرنامج “راش ليمبو” انحيازا في تقييمهم لـ 52 % من المحتوى الإخباري الذي عرض عليهم، وبلغت النسبة 50% لدى متابعي موقع “برايت بارت”. أما مشاهدو “فوكس نيوز” فقد أظهروا انحيازا في 45% من المرات التي قرأوا فيها المقالات.

لقد أظهر متابعو قناة “أم أس أن بي سي” انحيازا عاما في تقييمهم لـ 38% من المقالات. وكان قراء “نيويورك تايمز” والمستمعون لراديو “أن بي آر” قريبين من المعدل الوطني العام بنسب 36% و34 %من التقييمات المنحازة. وكانت الوسيلتان الإعلاميتان المرتبطتان بالمتابعين الأقل انحيازا هما “وول ستريت جورنال” (26 %) و”بي بي إس” (14%). أما أولئك الذين تعودوا على مشاهدة “بي بي إس” يقيّمون المقالات المأخوذة من مصادر متنوعة بطريقة كما لو أنهم ينتمون للمجموعة التي لم يتم اطلاعها على المصدر. وفي المقابل، يبدو أن متابعي “فوكس نيوز” و”أم أس أن بي سي” يأخذون بعين الاعتبار اسم المصدر أكثر من المحتوى، عند تقييمهم للمقالات الإخبارية.

من بين إحدى التفسيرات لهذه النتائج هي أن بعض وسائل الإعلام هي التي تخلق الانحياز، ويحدث ذلك ربما من خلال نشر محتوى أقل جودة. لكن يمكن الافتراض أن المتابعين الأكثر انحيازا هم الذين يترددون على نفس هذه الوسائل الإعلامية. وفي الحقيقة، يعتبر تقديم تغطيات إخبارية بجودة أكثر تحدٍ حقيقيا يواجهه الصحفيون ومؤسساتهم الإعلامية. وفي عصر انخفاض كلفة النشر، وتمكن أي شخص من التأثير على الرأي العام، يتمثل التحدي الأكبر في كيفية تثقيف المواطنين وتجهيزهم للبحث عن المعلومات الصحيحة والتعرف عليها.

* هذه المقالة كتبها جوناثان روثوِل، الخبير الاقتصادي في مؤسسة غالوب، والباحث في معهد السياسة العامة في جامعة جورج واشنطن. ونشرت أولاً في صحيفة نيويورك تايمز، وترجمها فريق اسطرلاب للعربية.

** الصورة الرئيسية تُظهر كشك صحف في مدينة نيويورك خلال الشهر الماضي.