2018: عام قاسٍ على صحافة السوشال ميديا

في نوفمبر الماضي، سرّح الموقع الإلكتروني الإخباري “Mic” معظم موظّفيه ويستعدّ الآن لبيع تركته إلى منافس إخباري وبسعر مخفّض، في خطوة تثير الشكوك حول جدوى عدد من الشركات الناشئة على الإنترنت التي كافحت لجني الأرباح من محتواها الإخباري.

كانت شركة Mic، التي تأسست في عام 2011، واحدة من العديد من المواقع الإلكترونية التي ازدهرت عندما بدأ فيسبوك في إعطاء أولوية للمحتوى الإخباري قبل قرابة عقد، ومع فيسبوك وصلت مواده الإخبارية إلى مئات الملايين من المشاهدين في جميع أنحاء العالم.

وتماشياً مع التحديث المتواصل لأولويات المحتوى على فيسبوك، عمل “Mic” على إنتاج مقاطع فيديو قصيرة، كان يعمل عليها أكثر من 100 موظف. لكن، لم تكن نهاية هذه القصة نهاية سعيدة، فبعد كل هذا التواءم والنجاح، ألقى مؤسسو ميك باللوم على فيسبوك وحملوه جزئياً المسؤولية عن الانعطافة السلبية التي يمر بها، بعد إلغاء فيسبوك قناة كان يبث من خلالها فيديوهات ميك، بشكل مدفوع.

عقد من صحافة التواصل الاجتماعي: كيف وصلنا هنا؟

كان دخول المنصات الإخبارية إلى السوشال ميديا ذا تأثيرات مختلفة، أبرزها التسبب بأزمة مالية للمنصات التي كانت تعتمد على عائد الإعلانات في تمويلها، حيث انخفضت مبيعات الصحف وتحولت عائدات الإعلانات إلى المنصات الجديدة على الإنترنت مثل Facebook و Google.

كانت الصحافة في وقت واحد تشعر بالتهديد والتمكين. الكثير من العلامات التجارية الإخبارية ما زالت تبدو مألوفة من الخارج، ولكن مرت بتحولات كبيرة في الأسلوب أو الشكل، والأهم من ذلك، أن العلاقة بين الصحفي والجمهور والأخبار نفسها قد أعيد ترتيبها بشكل جذري.
على مدى السنوات العشر الماضية، شهدنا مجموعة كاملة من تقنيات السرد الإخباري القوية الجديدة التي تتطور مثل الفلوجز، الفيديوهات القصيرة، صحافة البيانات، الإنفوجرافيكس والواقع الافتراضي وغيرها. لقد تحول الصحفيون إلى Instagram وSnapchat وPinterest بالإضافة إلى استخدام أدوات البحث والشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك للعثور على جماهير جديدة وربط موادهم الصحفية بجمهورها المطلوب، وفي عالم معقد مليء بالتغيير وعدم اليقين، أدت كل هذه التغييرات إلى ازدياد شهية الجمهور للأخبار.

دراسة معمقة أجراها مركز تابع لجامعة كولومبيا، حول العلاقة بين المنصات التقنية والصحافة، شملت أكثر من ألف غرفة إخبارية في الولايات المتحدة وكندا على مدار عامين، أعلنت نتائجها الشهر الحالي، توصلت إلى أن:

  1. 41% من غرف الأخبار التي شملتها الدراسة أجرت تغييرات كبيرة في إنتاج الأخبار استجابة لنمو منصات ووسائل التواصل الاجتماعي.
  2. 50% من المستطلعين قالوا إن منصات التواصل عززت علاقتهم مع الجمهور والقراء.
  3. على الرغم من السياسات التضييقية لمنصات التواصل، فإن الناشرين ما زالوا محافظين على كمية ثابتة من المواد التي ينشرونها على هذه المنصات، بينما المتغير الوحيد هو طريقة النشر وشكل المواد المنشورة.
  4. ووفقًا للبحث، أصبح الناشرون أكثر فطنة ومرونة في التعامل مع الإنترنت ومواقع التواصل، حيث أنهم لا يفرطون في الاعتماد على منصة واحدة فقط.
  5. هناك سعي واضح للمنصات وتوجه كي تفك ارتباطها مع مواقع السوشال ميديا، التوجه الحديث هو استخدام هذه المواقع لأخذ المستخدم إلى صفحات الاشتراك المدفوع لدى الناشرين.


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للأخبار عبر الإنترنت مع أكثر من 2.4 مليار مستخدم للإنترنت، ما يقرب من 64.5% منهم يحصلون على الأخبار العاجلة من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وانستجرام وسناب شات بدلاً من الوسائط التقليدية.

وفي استطلاع حديث للرأي (من 30 يوليو إلى 12 أغسطس)، قال 50% من مستخدمي الإنترنت الذين شملهم الاستطلاع إنهم يسمعون عن آخر الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل سماعها من أي مصدر صحفي. بينما العديد من مستخدمي الإنترنت يشاهدون القصص العاجلة على صفحاتهم الرئيسية على منصات التواصل، ويذهبون بعدها إلى المواقع الإخبارية لمعرفة المزيد، إذ وجد الاستطلاع 57% زيادة في عدد الزيارات إلى المواقع الإخبارية المحولة من وسائل التواصل.
ومع ذلك، كان هناك انخفاض في كمية المقالات التي يقرأها الناس، إذ كشف الاستطلاع أن معظم الناس يقومون بتصفح واجهاتهم الرئيسية ليظهر أمامهم محتوى إخباري مخصص لهم، يقرأون منه العناوين الرئيسية فقط أو يشاهدون مقاطع فيديو قصيرة للقصص الإخبارية إن توافرت.
فالزائر العادي لا يقرأ من القصص الإخبارية ما يتجاوز الـ 15 ثانية، أما وقت مشاهدة الفيديو عبر الإنترنت فالمتوسط 10 ثوانٍ.

يجب أن تحصل المادة الخبرية على الكثير من “اللايكات” والمشاركات قبل أن يراها الكثيرون في خلاصتهم على مواقع التواصل. لذا، فإن وسائل التواصل الاجتماعي وأصدقائك هناك يحددون لك ما تراه من الأخبار وما لا تراه.

عام من الاستجواب والوعود

كل هذا الازدهار كان حكاية جميلة تعيش المؤسسات الإخبارية “خاتمة حزينة” لها الآن، فماذا حصل؟

منذ الانتخابات الأمريكية، تواجه منصات التواصل الاجتماعي ضغوطاً كبيرة، وكان العام 2018 عامًا صعبًا على عمالقة التواصل الاجتماعي مثل Twitter وFacebook وGoogle، إذ وضعت سياساتهم تحت مجهر المشرعين في دول مختلفة، إثر سلسلة من الهجمات على خصوصية البيانات والكشف عن فضائح وخروقات لحقوق المستخدمين.

ولعل أبرز ما صبغ العام 2018 من أحداث في هذا السياق، هي فضيحة “كامبريدج أناليتيكا”، ففي شهر مارس، تبين أن شركة الاستشارات السياسية البريطانية قد استحوذت على بيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك واستخدمت هذه المعلومات لمساعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الفوز في حملته لعام 2016.

وبعد عامٍ على فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وقف المديران التنفيذيان لفيسبوك وتويتر مجدداً أمام  لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكي في سبتمبر الماضي، أكدا خلالها أن شركتيهما “أكثر جاهزية لمواجهة أي تدخل أجنبي في المنصتين”.
الرئيس التنفيذي لتويتر، جاك دورسي قال للمشرعين مبرراً تأخر تويتر في التحرك: “وجدنا أنفسنا غير مستعدين ومجهزين لضخامة المشكلات التي اعترفنا بها. الإساءة، والمضايقة، الجيوش الإلكترونية، نشر البروباغاندا والدعاية من خلال البوتات، وحملات التضليل وفقاعات الاهتمامات الوهمية، وجود كل هذه الأشياء لا يجعل من منصتنا بيئة عامة صحية”. مضيفاً: “لن تكون التغييرات المطلوبة سريعة أو سهلة”.
ما قامت به تويتر في 2018 هو تنظيف الحسابات غير المرغوب فيها، وحظر الحسابات التي كانت تنتهك شروطها، والتحدث مع المستخدمين والمشرعين حول الخطوات القادمة الممكنة، لكن هل هذا كاف؟

 


في ذات الشهر أيضاً، تعهد فيسبوك وتويتر إلى جانب جوجل، أمام المفوضية الأوروبية، بمزيد من الإجراءات التي ستأثر على التجربة الإخبارية على المنصة، إذ تعهدت جوجل، كجزء من قواعد الممارسة هذه، بجعل الأشخاص يصلون إلى المعلومات المفيدة وذات الصلة من المصادر الموثوقة، وقالت الشركة إنها قامت بتنفيذ أكثر من 2400 تحسين لموقعها خلال العام الماضي، كما تحارب منصة مشاركة الفيديو يوتيوب المملوكة من قبل جوجل “الخطاب الذي يحض على الكراهية” ضمن موقعها من خلال تكنولوجيا التعلم الآلي للتعرف على الأنماط في مقاطع الفيديو عبر الإنترنت والإبلاغ عنها إلى المراجعين البشريين.

وقامت منصتا فيسبوك وتويتر بحذف مئات الحسابات المزيفة التي ادعت ارتباطها بإيران وروسيا بعد العثور على سلسلة من الحملات قالت إنها تهدف إلى التدخل في السياسة البريطانية والأمريكية، وبدأت فيسبوك في تصنيف المؤسسات الإخبارية البريطانية على معيار “درجة الثقة” بعد أن غيرت خوارزميتها الشهر الماضي، في حين طبقت تويتر أكثر من 30 تغيير ضمن طريقة عمل منتجها من أجل تحسين الصحة العامة للمحادثات على المنصة.

وتدعي تويتر أن الكثير من هذه التغييرات تساعد على مكافحة الحسابات غير المرغوب بها وروبوتات الدردشة الكتابية، وتعهدت الشركات التي وقعت على القواعد الطوعية بتعطيل عائدات الإعلانات لبعض الحسابات والمواقع الإلكترونية التي تنشر المعلومات المضللة، وجعل الإعلانات السياسية أكثر شفافية، ومعالجة مسألة الأخبار المزيفة وروبوتات الدردشة الكتابية عبر الإنترنت، وتمكين المستخدم من الإبلاغ عن المعلومات المضللة.

فيسبوك: الأكثر تضرراً والأكثر إيذاءً

في العام 2018، كانت منصة فيسبوك الأكثر تضرراً بين عمالقة التواصل الثلاثة، إذ أعلنت في يوليو عن أكبر خسارة لها بيوم واحد في تاريخها، بلغت 120 مليار دولار، كنتيجة مباشرة لإغلاق 3 ملايين أوروبي حساباتهم على فيسبوك، بسبب فضيحة كامبريدج أناليتيكا وما تلاها من فضائح.


افتتح الفيسبوك العام 2018 بالحديث عن جمع الناس معا من خلال إظهار “مشاركات ذات مغزى” أكثر للمستخدمين يشاركها أصدقائهم وعائلاتهم، بينما ينهي العام 2018 باختلاق الأعذار محاولاً تبرير مشاركة بيانات هؤلاء الأصدقاء والأقرباء مع عشرات الشركات دون موافقة المستخدمين، إذ منذ أقل من أسبوعين دوت فضيحة إعطاء فيسبوك شركات بيانات صلاحية الاطلاع على بيانات المستخدمين.

وفي يناير، أعلن فيسبوك عن تغييرات على نشرته الإخبارية. كان الهدف، كما أعلنت المنصة، هو تحسين تجربة المستخدم وتقليل عدد الإعلانات التي يراها الناس، ولكن من الناحية العملية، خنق هذا التغيير قدرة الشركات الصغيرة والمؤسسات غير الربحية على الوصول إلى الجمهور، دون أن يدفعوا إلى فيسبوك.

ومستنداً إلى استطلاعات وإحصائيات، تحدث التقرير السنوي السابع للاخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسات الصحافة في حزيران الماضي عن تغيرات جوهرية في المشهد الإخباري خلال العام الماضي، إذ بدأت شعبية فيسبوك تنخفض في الولايات المتحدة فيما يتعلق بمشاركة واستهلاك الأخبار مع تحول العديد من الشباب نحو تطبيقات التراسل مثل واتساب لمناقشة الأحداث، إذ انخفض استخدام فيسبوك لمشاركة الأخبار في أمريكا بنسبة 9% بالمقارنة مع عام 2017، وانخفض بمقدار 20% بالنسبة لجمهور الشباب.
يدفع فيسبوك الآن نحو الاستثمار بالأخبار المحلية وتعزيزها على المنصة، لكن على الناشرين أن يكونوا حذرين من هذا “الفخ”. قد تقود سياسيات فيسبوك بخصوص الأخبار المحلية لازدهار لدى كثير من الناشرين الصغار اليوم، لكن يمكنها في المستقبل أن تعطي انطباعا لدى المستخدمين بأن فيسبوك هو المصدر الوحيد لهذا النوع من الأخبار.
فحتى الناشرون الكبار الذين أعطاهم فيسبوك منابر خاصة لهم للاستمرار في ضخ أخبارهم، رغم كل الأزمات التي مر بها في 2018، لم يسلموا من التقلبات في رؤية زوكربرج.  بعد ستة أشهر من إطلاق فيسبوك لمجموعة من العروض الإخبارية الأصلية من مؤسسات مثل CNN وABC New و BuzzFeed، أخبرت الشركة مدراء هذه المؤسسات أنه من المرجح أن تخفض تمويلها للعروض الفردية، حيث تقوم بتنقيح استراتيجية البرمجة الخاصة بها في هذا المجال.

في هذه الأثناء، تحاول آبل استدراج مؤسسات إعلامية كبيرة وضمها لخدمتها الإخبارية  بعد أن شعرت بالتوتر الحاصل مع فيسبوك، ففي هذا الصيف بدأت شركة آبل  محادثات مع الصحف الرئيسية الكبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وصحيفة وول ستريت جورنال حول إضافة قصصها إلى خدمة المجلات الرقمية Texture، وهو التطبيق الذي حصلت عليه آبل في شهر مارس الماضي ودخلت من خلاله مجال المجلات، والذي يتيح للمستخدمين الاشتراك في أكثر من 200 مجلة مقابل 9.99 دولار في الشهر.

كيف نتلافى أخطاء عقد من الارتهان لمنصات التواصل؟


خلال السنوات القليلة الماضية، سلّم منتجو الأخبار رقابهم طوعاً لفيسبوك، بعد أن أغرتهم سهولة الوصول لجمهورٍ أكبر من خلاله، ليفاجؤوا بعدها بفيسبوك وهو يستثنيهم من معادلة نشر الأخبار على منصته، كان هذا خطأهم، فعوضاً عن الاستفادة من الانفتاح التكنولوجي في تطوير مواقعهم الخاصة واكتساب زوار ذوي ولاء، أتاحوا لفيسبوك الفرصة لكي يظهر أمام قرائهم كأنه هو مصدر الخبر، بل وحتى المصدر الوحيد للخبر.

في نوفمبر الماضي، كشفت وسائل إعلام عن قيام العديد من شركات الإعلام الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية بمناقشة فكرة دمج أعمالها من أجل ضمان البقاء في السوق، حيث تلوح في الأفق خطط جادة للاندماج ضمن بنية واحدة كبيرة تستطيع الوقوف في وجه جوجل وفيسبوك، ومن جهته، طرح جونه بيريتي، الرئيس التنفيذي لشركة BuzzFeed، أنه مهتم بتوحيد الجهود مع الشركات الأخرى من خلال عمليات الاندماج والاستحواذ المحتملة.
لكن التحدي الكبير الذي يواجه منصات الأخبار التقليدية ليس باستعادة “مجدها”، بل أن يكون إنتاجها الصحفي ذا قيمة أكبر، فعوضاً عن الشكوى من فقد المتابعين أو تقلص الوصول، عليها البدء في بناء علاقات أفضل مع الجمهور، أن تكون أكثر تنوعا وموثوقية، أن تصغي لجمهوره وأن تعد التقارير منه وعنه وليس فقط أن تهتم بالنخب السياسية والإعلامية، عليها تفكر بكيفية الوصول إلى هموم الناس وكيف إيصال أصواتهم قبل أن تتوقع وصولاً عالياً على الإنترنت وتسجيلات اشتراك ودفع الأموال.
لا يعني هذا إهمال المساحات الرقمية، ولا التراجع عن التوسع فيها (ما يزال هناك أبواب كثيرة لطرقها على الإنترنت غير أبواب فيسبوك وجوجل)، لكن يعني إعطاء المزيد من الاهتمام للجمهور.
ولمحو “الأميّة الإخبارية” في العصر الرقمي، يجب فهم كيف يتم نشر الدعايات السياسية والمعلومات الخاطئة على الإنترنت للتلاعب بالرأي العام. يجب على المؤسسات الإخبارية ومدربي الصحافة تعليم أفراد الجمهور (وصحفييهم) كيفية التوقف عن استخدامهم كأدوات في لعبة الدول هذه.
خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، يجب على الناشرين أن يتعاملوا مع حقيقة تحملهم بعض المسؤولية في تمكين فيس بوك من أن يصبح ما أصبح عليه. نحتاج أن نتعلم من الأخطاء “التي قمنا بها” وأن نبني بشكل جماعي حواجز حماية أفضل للصحافة، وضمان عدم ارتكاب هذه الأخطاء مع شركاء منصات كبيرة مرة أخرى.
لقد خلق عمالقة التكنولوجيا بيئة يتوقع فيها المستخدمون مواد إخبارية سلسة، ويجب على ناشري الأخبار العمل على تحديد كيف ومتى ستأتي اللحظة التي سيبحث فيها المستخدمون عن مكان آخر ويختاروا بديلاً لعاداتهم الاستهلاكية.
عندما يقرر المستخدمون أن الوقت قد حان لتخطي “الضوضاء الاجتماعية”، فسوف يستكشفون المنشورات استنادًا إلى الجدارة والسمعة الصحفية التي بنوها سابقاً عنها، من خلال ظهورها وشكلها على منصات التواصل الاجتماعي.