هل تجذب البلوكتشين قراء جدداً للصحافة المدفوعة؟

البحث عن نموذج ربحي مستقر لا يهدف فقط إلى إنقاذ الصحافة من الإفلاس والموت، لكن أيضاً للحفاظ على حياديتها واستقلاليتها ونزاهتها، بعيداً عن التمويل الحكومي والحزبي وسخاء رجال الأعمال الأثرياء الذي يخلق حالة من تضاؤل الثقة بين الجمهور، ويصبغ السمعة بالانحياز والتبعية، وهو آخر ما تريده أية وسيلة إعلام مهما بلغ بها اليأس. وكذلك؛ بعيداً عن الإعلانات وما تأتي به النقرات، وهذه مشكلة متفاقمة أيضاً، وباتت تشوه الصحف الإلكترونية والمواقع والتطبيقات الإخبارية، وتنفّر المستخدمين من المطالعة عبر تلك المنصات التي تغرق باليافطات الإعلانية. كما تمثل الإعلانات مشكلة من نوع آخر يتعلق أيضاً بالمحتوى، حيث يجد المحررون أنفسهم مضطرين لإعادة صياغة محتواهم طبقاً لما تتطلبه عوامل جذب القراء وإثارتهم للبقاء فترات أطول، من أساليب المبالغة والمجاز وحتى الكذب، ما يُخرج المادة الصحفية عن طابعها المهني.

شركة Civil التي تموّل 11 وسيلة إعلام تعمل بطريقة البلوكتشين، تقول في موقعها على الإنترنت إنها تسعى إلى استعادة الثقة العامة في الصحافة عن طريق إزالة تأثير المعلنين ومالكي الشركات وممثلي الأخبار الدعائية، وإنشاء سوق جديد يخضع فيه الصحفيون للمراجعة المجتمعية والمساءلة مباشرةً من القراء فقط.

وإذا كان لا يسهل إقناع القارئ بالدفع مقابل القراءة، فمن الأصعب إقناعه بالتبرع لبقاء الصحيفة، وقد لجأت صحف عدة إلى تشجيع القراء على تمويل بقائها عبر التبرع، لكن هيهات أن يستمر كرم القراء أبداً، وإذن، فلا شك أن محاولة ابتكار نموذج ربحي للصحافة هي عملية مضنية وصعبة، ولحد اليوم؛ لا يمكن الجزم بأن وسيلة إعلامية تمكنت من أن تضمن آلية تتمتع بالأمان والربح في آن معاً.

واليوم، مع انتشار صرعة العملات الافتراضية، لمع بصيص أمل في الأفق، وتوجهت الأنظار صوب الابتكار الجديد، أملاً في أن تمثل التكنولوجيا الناشئة حلاً للمشكلة المستعصية.

ويَمثُل أمام ناظرينا سؤال محدد بهذا الشأن: هل تستطيع وسائل الإعلام المستقلة، إقناع القراء غير المستعدين للدفع مقابل القراءة بالعملة النقدية، أن يدفعوا بالعملة الافتراضية؟

وبصيغة أخرى، هل تملك العملات الافتراضية من المزايا والتسهيلات ما يشجع المستخدم على التخلي عن شحه وبخله، ليدفع مقابل ما يقرأ من الأخبار والمقالات والتحليلات، ويضع حداً لهذه المهزلة؟!

وينطلق هذه السؤال ليس من واقع العملات الافتراضية اليوم، أعني ليس من واقع أن استخدامها ما يزال في حيز ضيق لهذا الحد، بل من افتراض أن العملات الافتراضية باتت عملة مستخدمة على أوسع نطاق، ومتداولة في أيدي المستخدمين كما الحال في التقليدية.

وكمحاولة للإجابة على هذا السؤال، أمككنا تحديد ثلاث مزايا رائدة، للعملات الافتراضية، من شأنها أن تشجع المستخدم وتدفعه للدفع مقابل القراءة:

  1. عدم وجود عمولة أو ضرائب على عملية الدفع، ولا وسيط، وهو ما قد يعني أن سعر الاشتراك سيكون منخفضاً، كما أن عملية الدفع برمتها ستكون أسهل وأكثر مرونة.
  2. خصوصية وأمان شبه مطلق، يقول آرون ليندنر، رئيس قسم الإنتاج في شركة “ساتوشي باي” وهي خدمة دفع إلكتروني تعتمد على تكنولوجيا البلوكتشين وتستمد اسمها من اسم مبتكر التقنية المجهول الذي يعرف باسم “ساتوشي”، يقول في حديثه عن خدمته، إن “سجل المعاملات المالية والرصيد يستضاف مباشرة على البلوكتشين، وليس على خوادمنا. وعلى خلاف أنظمة الاشتراك التقليدية، لن يكون المستخدمون في حاجة إلى تقديم أي بيانات شخصية عن أنفسهم مثل الاسم وعنوان البريد الإلكتروني، حتى يتمكنوا من استخدام ساتوشي باي”.
  3. العامل النفسي، طبقاً للقاعدة التي تقول أن المال الذي لا تملكه بين يديك، سيهون عليك المجازفة به، وهو نفس العامل الذي يجعل الناس تشتري من خلال بطاقات الكرديت كارت أكثر منها حين تتسوق بالمال النقدي، فالناس ببساطة لا تشعر بنفاذ المال منها.

ورغم ذلك، ماذا لو لم يفتح المستخدم يده؟ ماذا لو لم يتشجع للدفع رغم هذه المزايا المحتملة؟

الخط ب: القراءة مقابل التعدين

يُمكن بالفعل استغلال الزيارات للقيام بمهمة تعدين العملات الرقمية من أجهزة المستخدمين والقراء، وقد لجأت لهذا الأمر عدد من الصحف، من بينها صحيفة صالون الأمريكية بطريقة علنية وقدمتها كبديل للإعلانات على أن يختار المستخدم ما يُفضله، وصحيفة اليوم السابع المصرية، التي تراجعت تحت ضغط السوشيال ميديا؛ إذ اعتبُر الأمر فضيحة كونها لم تبلغ المستخدمين بالأمر.

والحق؛ أن خيار التعدين عبر متصفحات المستخدمين سيواجه صعوبة ومكابرة عالية، وليس أدل على ذلك من سرعة انتشار إضافات مكافحة عمليات التعدين للمتصفحات Block Coin، ويرجع الأمر تحديداً للمخاوف التي لم تجد بعد -على ما يبدو- إجابات شافية حول الكثير من الأسئلة والمحاذير المشروعة، والتي على رأسها:

  • ما تبعات التعدين على طاقة الجهاز، سواء حاسب أو هاتف ذكي؟
  • هل سيضغط على أداء الجهاز وسرعته؟
  • ما تبعاته على سرعة الإنترنت؟
  • هل يستهلك من بيانات الإنترنت عند استخدام الهاتف المحمول؟
  • ماذا بشأن الخصوصية والأمان؟ هل التعديل يزرع برمجيات على جهازي للقيام بعمله؟
  • ما البيانات التي يطلع عليها الموقع الذي يقوم بعملية التعدين من المتصفح؟

وهناك سؤال آخر أكثر أهمية، لو أن الأجوبة على كل هذه الأسئلة أعلاه كانت إيجابية، واقتنع المستخدم بالجدوى وقرر السماح بالتعدين مقابل القراءة: هل سيكون ذلك مجدياً للصحيفة على أية حال؟ هل سيدر ما يكفي من الأرباح؟

الأسئلة كثيرة، والعملات الافتراضية على انتشارها بين المهتمين، إلا أنها ما تزال غامضة بالنسبة للطيف الأوسع من المستخدمين، وتكنولوجيا البلوك تشين ليست على قدر كبير من الوضوح، وحتى يمكن الشروع باعتماد هذه العملات كوسيلة دفع للصحافة بدلاً من النقد، يجب أن تصبح أولاً وسيلة الدفع المعتادة لشراء الطعام والكتب والحاجيات الأكثر إلحاحاً.