انفجار فقاعة الإعلام الرقمي يضر بجيل كامل من الصحفيين الشبان الواعدين

قبل حوالي خمس سنوات، طلب مني تأدية زيارة إلى غرفة الأخبار في ميك MIC.com، وهي شركة ناشئة للإعلام الرقمي، مدعومة من قبل مستثمرين مغامرين، وتركز على تقديم الأخبار لجيل الألفية الجديدة من الشباب.

وبصفتي محررة عامة في صحيفة نيويورك تايمز حينها، أفترض أنني كان ينظر إلي على أني خبيرة في أخلاقيات الصحافة التقليدية، وخاصة في عيون مراسلي ومحرري ميك، الذين كانت أعمار أغلبهم حينها في العشرينات، وكثيرون منهم كانت تلك أول وظيفة لهم بعد التخرج. ولأنني كنت نشطة على تويتر، وأكتب باستمرار في مدونتي، فإنني بدوت لهم عارفة بكيفية بناء جسر بين صحافة المدرسة القديمة، والصحافة الرقمية الجديدة.

أذكر جيداً كيف لاحظت حينها مدى ذكاء والتزام وتفاؤل العاملين في ميك بينما هم يتحدثون، في غرفة الأخبار الواقعة في مدينة مانهاتن، حول مواضيع مثل تضارب المصالح، الموضوعية في مواجهة العدالة، وفرص المسارات المهنية التي تنتظرهم.

وقد خامرتني حينها أسئلة: هل يمكن لهذه المغامرة المثيرة، التي كان عمرها حينها سنتين أو ثلاثة، أن تتطور وتستمر في المستقبل؟ هل يمكن لهؤلاء الصحفيين الشباب الاعتماد على هذه الفكرة لكسب عيشهم وبناء مسيرتهم؟

في سنة 2013، بدا هذا الأمر ممكنا، رغم بعض الإشارات الخاطفة المثيرة للقلق.

ولكن خلال الأسبوع الماضي، أصبحت ميك الأخيرة من بين مثيلاتها التي تنهار وتستسلم. حيث أن أكثر من 100 موظف عاملين فيها تم تسريحهم، في ظل حديث عن إمكانية بيعها لشركة إعلامية أخرى بعد إخلائها من موظفيها.

ولأن اختفاء ميك حصل بشكل مفاجئ وقاس، فإنه بدا كواحد من أسوأ الأحداث في هذا المجال.

كان كبير المحررين كيري لورمان، الذي عمل سابقا مع الواشنطن بوست، قد وصف المصير الذي تعرض له في شركة ميك بأنه “تجربة مريرة بالنسبة له.” ويشار إلى أن لورمان، إلى جانب مديره كوري هايك، الذي عمل هو أيضاً كمدير تنفيذي في الواشنطن بوست، قدما استقالتهما قبل وقت قصير من إعلان الشركة تسريح هيئة التحرير خلال الأسبوع الماضي.

ولكن بالنسبة لماري سوليس، المراسلة السابقة لميك، فإن التجربة المريرة الأصلية حدثت خلال العام الماضي، عندما قررت الشركة التركيز على مقاطع الفيديو عوضاً عن الأخبار والقصص المكتوبة التقليدية.

هذه الشابة المتخرجة من معهد فاسار في نيويورك، والتي تعمل الآن مع موقع برودلي، وهو فرع من موقع فايس، أخبرتني قبل أسابيع في حوار عبر الهاتف بأنها فقدت وظيفتها دون أي إشعار مسبق، بسبب التغيير الذي حدث في طريقة عمل الشركة.

ذلك القرار بالانتقال نحو مقاطع الفيديو لم يكن ناجحاً، ولم تستفد منه شركة ميك أو أي من المؤسسات الإعلامية المماثلة لها، والتي حاولت النسج على منوال النجاح الساحق الذي حققه فيسبوك. حيث أن الوعود بالحصول على متابعة أكبر من الجماهير، والذي تبين لاحقاً أنها مبنية على تحليلات خاطئة للبيانات، لم يتحقق منها شيء. وكتبت هايدي مور في مجلة كولومبيا للصحافة: “يجب على الناشرين الاعتراف بأن الانتقال نحو مقاطع الفيديو فشل.”

الآن يتم تفكيك ميك إلى قطع من أجل بيعها، وقد تم التفويت في اسمها والخبرات التقنية التي طورتها، لفائدة شركة باسل، في مقابل مبلغ يناهز 5 مليون دولار، وهو يعد زهيداً جداً بالنظر إلى أن ميك كانت قد جمعت في بدايتها 60 مليون دولار من رأس المال الاستثماري، وكانت في وقت سابق تفتخر باستقبالها 17 مليون زائر شهرياً، وكانت قيمتها المالية النظرية تقدر بأكثر من 100 مليون دولار.

وفي بيان نشرته خلال الأسبوع الماضي، قالت نقابة موظفي ميك: “لا يمكننا تخيل خطوة أكثر فساداً وقتامة من إنهاء التعاقد مع كل الموظفين في دفعة واحدة، وذلك بهدف التخلي عن العلامة التجارية إلى مشتر جديد يفترض به أن يعيد استغلال ما تبقى من غرفة التحرير التي قضينا سنوات في بنائها.”

وفي الواقع فإن الموظفين لديهم أسباب وجيهة تجعلهم يشعرون بالغضب ويعتبرون أن الشركة تخلت عنهم لأجل المال.

ويقول آرام زاكر شارف، الذي يكتب ويحاضر ويقدم المشورة حول اقتصاد الصحافة الجديدة: “عندما تكون مدير جيداً، فإنك تحضر موظفين أكفاء للقيام بعمل جيد، مع الاستعداد المسبق للعناية بهم، وضمان مستقبل زاهر لهم في الشركة.”

ويضيف آرام: “إلا أن ما يحدث هو أن الشركات الإعلامية المعتمدة على رأس المال الاستثماري، مبنية على أساس أن مصير الموظف في النهاية هو الطرد. هذا الأمر غير أخلاقي، أنت لم تقم بتوظيفهم في البداية حتى تستغلهم لفترة محددة.”

ولاحقا نشر آرام تغريدة أثارت اهتماماً كبيراً في منصة تويتر، جاء فيها: “الأرقام التي بنيت عليها توقعات ميك لم تكن موجودة فعلاً. وفي النهاية اختفت كلها وتبين أن عدد الزيارات والإحصاءات كان مزيفاً.”

ما يثير قلق آرام، ويثير قلقي أنا أيضاً، هو الكلفة الإنسانية، وتأثير هذا على الصحافة في المستقبل، عندما يتكرر الأمر مرة بعد أخرى.

في ظل الموت المأساوي للصحف المحلية، فإن أماكن مثل شركة ميك أصبحت هي نقطة الدخول إلى مهنة الإعلام بالنسبة لكثيرين من الصحفيين الشبان. والأهم من ذلك، هو أن غرف الأخبار في ميك ومثيلاتها، كانت تتميز بالتنوع، وهو تنوع عكسته بشكل رائع المادة الإعلامية التي تقدمها.

الآن مع اختفاء مثل هذه الشركات الناشئة، فإن فرص دخول الشبان إلى عالم الصحافة تختفي. والصحفيون الذين مروا بهذه التجربة البشعة، أحياناً أكثر من مرة، انطفئ لديهم الحماس للعمل في هذه المهنة.

حيث يقول آرام: “إن هذه التجارب تطفئ جذوة الحماس لدى الصحفيين الشباب، وهذا مضر بهم من الناحية النفسية.”

الآن بينما يبحث هؤلاء الشبان عن عمل آخر في ظل تضاؤل الفرص أمامهم، أو يغادرون هذا القطاع برمته، تستعد الصحافة لخسارة جيل كامل من المواهب المتنوعة.

ربما كان عليّ أن أخبر هيئة التحرير في ميك عند زيارتي لهم في غرفة الأخبار قبل 5 سنوات بأن عليهم مغادرة المركب بينما الأمور لا تزال تسير بشكل جيد، قبل أن تنفجر فقاعة الاستثمار في هذه التجربة، وقبل أن تفشل عملية الانتقال من الأخبار المكتوبة إلى مقاطع الفيديو، وقبل أن تفقد مكاتبهم روحها.

ولكني على الأقل أشعر ببعض المواساة، بفضل كلمات ماري سوليس البالغة من العمر 25 عاماً، والتي تمكنت من تجنب تبعات هذه الصدمة، والحصول على وظيفة أخرى مشابهة بعد الخروج من ميك، فهي تقول: “لا يمكنني أن أتخيل نفسي أعمل في مجال آخر.”

 

* هذه المقالة كتبتها مارغريت سوليفان، ونشرت أولاً في صحيفة واشنطن بوست، وترجمها فريق اسطرلاب للعربية.

** الصورة الرئيسية تُظهر كريس ألتشيك، على اليسار، هو المدير التنفيذي والشريك المؤسس في Mic.com برفقة جايك هورويكس في 2015. هذا الموقع الإخباري الرقمي قام بتسريح كل موظفيه تقريباً، خلال الأسبوع الماضي.