الهويات الرقمية وآفاق جديدة لنشر المحتوى الصحفي

عربياً، يُستخدم مصطلح الهوية الرقمية والمواطنة الرقمية في بعض البلدان، الإمارات مثلاً، للإشارة إلى مهام الحكومة الإلكترونية، وقواعد استخدام الإنترنت وآدابه، لكن هذه المقالة تناقش تعريفاً آخر للمفهوم الجديد نسبياً في عالم التقنية.

ما هي الهوية الرقمية؟

وفقاً لورقة بحثية اشترك في إعدادها البنك الدولي، تم تعريف الهويات الرقمية بأنها مجموعة من السمات التعريفية التي يتم التقاطها إلكترونياً وتخزينها، والتي تصف شخصًا ما بشكل فريد في سياق معين، وتستخدم في المعاملات الإلكترونية. قد تتكون الهوية الرقمية للشخص من مجموعة متنوعة من المحددات، بما في ذلك بيانات السيرة الذاتية (مثل الاسم والعمر والجنس والعنوان) والبيانات البيومترية (بصمات الأصابع، مسح القزحية، إلخ) بالإضافة إلى السمات الأخرى الأكثر شمولاً، والتي تتعلق بما يفعله الشخص على الإنترنت أوما يعرفه الآخرون عنه.

وحديثاً هناك جهد دولي تسعى به كبرى الشركات التقنية لإنشاء معايير هوية رقمية موحدة للأفراد، وفي هذا الخصوص، هناك تطور سريع، وسعي لاكساب الدراسات طابعاً يمكن تعميمه، وهناك من يسمي الهويات الرقمية بالهويات الموحدة، حيث يشير مصطلح “الهوية الموحدة” إلى المكونات المختلفة لملفات تعريف المستخدمين التي تم تجميعها أثناء تصفحهم لمواقع مختلفة وتم دمجها في ملفات موحدة وفقًا لمعيار عالمي. في الوقت الحالي، يعد معيار “SAML2″، اختصاراً لـ”Mark Assertions Markup Language 2.0″، أكثر المعايير المستخدمة في بناء الهوية الرقمية، ويُمكّن من توحيد الهويات الرقمية للمتصفّحين على مختلف المنصات وإدارتها؛ ويسمح بتعبئة أجزاء مختلفة من معرف هوية متصفح ما على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، ودمجها في صورة افتراضية واحدة. هذا المعيار تم إدراجه في المؤسسات المالية والمؤسسات الأكاديمية والحكومة الإلكترونية الأمريكية حيث أظهر نجاحاً كبيراً حتى الآن.

اعتماد المعايير الدولية لتحديد الهوية الرقمية أمر هام، وسوف يمكن الباحثين من متابعة متصفحي أي موقع في الفضاء الإلكتروني وإجراء دراسات واسعة النطاق حول العلاقة بين الهويات الرقمية للمستخدمين وشخصياتهم، ومجالات اهتمامهم وقدراتهم المعرفية، فكل متصفح لديه طريقة ديناميكية فريدة في تصفح الإنترنت، ومع تدريبها المتواصل، ستتمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي قريباً من بناء هوية رقمية شخصية لكل شخص يستخدم الإنترنت.

الهويات الرقمية والصحافة

وبالنسبة للصحافة، فإن ظهور الهويات الرقمية يشير إلى أن الناشرين والصحفيين سيكونون قادرين على محاكاة وقياس ما ستقدمه قصصهم الإخبارية للجمهور من جهة وللممولين من جهة أخرى، قبل الانتهاء حتى من إعداد القصة الإخبارية. بكلمات أخرى، سيكون بمقدورهم اختبار ما يمكن تسميته بـ “قصص التشغيل التجريبي” قبل النشر، تماماً كما يفعل المعلنون الآن في اختبارات المنتجات الجديدة. هذا سيقدم فرصاً وتحديات مثيرة للاهتمام للصحافة.

وفي وقت تستثمر فيه موارد كبيرة في تطوير وتحسين تقنيات إدارة الهويات الرقمية، من الطبيعي أن هذا التوجه سيؤثر على المحتوى الصحفي بشكل كبير وقد يحدث ثورة في الصحافة وأبحاثها الأكاديمية، لذلك يجب على الصحافة أن تتكيف وأن تتحرى نماذج عمل جديدة. وللإجابة على السؤال؛ كيف سيؤثر ذلك على الصحافة؟ يجب أولاً معرفة الآلية التي يتم فيها الاستفادة من الهويات الرقمية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي، إذ تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي الجديدة بتحليل المحتوى -النص والفيديو والصوت والصور الثابتة – لتبويب المحتوى (tag) وتصنيفه تلقائياً. إن بناء الهوية الرقمية عملية ديناميكية يتم تحديثها طالما أن الشخص نشط على الويب، ويعتقد الخبراء اليوم أن نتائج أكثر نجاعة في هذا المضمار تستلزم البحث أولاً في علم الأحياء وعلم الوراثة وعلم النفس الذي يستكشف ويحدد الروابط بين الرموز الجينية للأفراد والسمات المعرفية والسلوكية، بعدها الغوص في مواقع التواصل الاجتماعي وخدمات وتطبيقات ومنصات Web 2.0، لتحديد السمات الرقمية للمستهلك، لتعمل بعدها معايير إدارة الهويات الرقمية على دمج الشفرة الجينية للشخص مع بيانات مشتقة من نقرات الويب خاصته، للحصول على ما يمكن تسميته بـ” الـ دي أن إيه السسيولوجي”، (SDNA).

الاستهداف السلوكي

يعتمد الاستهداف السلوكي المستند على محركات الذكاء الاصطناعي وتحليلها للمحتوى الصحفي والهوية الرقمية للمستهلك على نموذج تعلم ديناميكي، وفي ما يخص المحتوى الصحفي، سيتم باستمرار تحديث الاستهداف بناء على تفاعل المستهلكين مع المحتوى والاختيارات التي يتخذونها أثناء قرائته، كما سيراقب محرك الذكاء الاصطناعي الحالة العاطفية للمستهلكين أثناء التفاعل من خلال تحليل ردود الفعل اللفظية أو غيرها من التفاعلات، وللتفصيل في علاقة ذلك كله بالمحتوى الصحفي، يمكننا أن نلخص العملية بالخطوات التالية:

الخطوة الأولى: يتم تحليل جميع المحتويات الصحفية عن طريق خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ثم يتم تبويبها بالعلامات التصنيفية ( content tag).

الخطوة الثانية: بناء على الهويات الرقمية للمستهلكين وتصنيف المحتوى، تختار الخوارزميات أي نوع من المواد الصحفية والإعلانات يتم إرسالها.

الخطوة الثالثة: يتفاعل المستهلكون مع المحتوى والإعلانات، يتم مراقبة هذا التفاعل باستمرار ويقاس انتباه المستهلك.

الخطوة الرابعة: يتم تحليل التغذية الراجعة من المستهلك، ثم تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بإجراء تعديلات تلقائيًا ليشبه المحتوى والإعلان المستهلك بشكل أفضل؛ وبعدها يتم إرسال المحتوى الجديد للمستهلكين.

الخطوة الخامسة: يتم نقل الملاحظات والمعلومات الجديدة التي قامت الخوارزميات بتجميعها حول الفرد، ثم نقل المعلومات المحدثة إلى قاعدة بيانات الذاكرة الشخصية حيث يتم إنشاء ملف تعريف وسائط المستهلك وتحديثه باستمرار.

تستمر الخطوتان الرابعة والخامسة إلى أجل غير مسمى للسماح لمحرك الذكاء الاصطناعي بالتنبؤ بدقة بشخصية المستهلك وهويته وميوله الصحفية والإعلانية في سياقات مختلفة.

ماذا عن الصحافة العربية؟

مثل معظم التطورات التقنية التي يشهدها مجال الصحافة، وتلك التي يتنبأ له أن يشهدها، فإن العالم العربي يبدو مجدداً بعيداً عن أن تمتلك مؤسساته الصحفية القدرات على تحليل الهويات الرقمية، فضلاً عن توظيفها واستخدامها. فما العمل؟ يقدم تطبيق أسطرلاب إجابة بديلة ونموذجاً قريباً لآلية عمل الخوارزميات الذكية في تحليل الهويات الرقمية، باستثناء أن الهويات الرقمية في هذه الحالة هي هويات اختيارية يتم تعبئتها يدوياً من كل مستخدم، فعوضاً عن انتهاك خصوصية المستخدم ومعرفة ميوله وتفضيلاته دون استشارته، ومن خلال تجميع بيانات تصفحه الانترنت وسلوكه في مطالعة الأخبار وغيرها، يتيح أسطرلاب، من خلال إنشاء المستخدم عضوية له على التطبيق وتسجيله الدخول، ومن خلال اختياره الأقسام التي يريد متابعتها، ومستقبلاً المواضيع والمصادر وكُتّاب المقالات الذين يهتم بقراءة الأخبار منهم وقراءة مقالاتهم، وبذلك يصنع المستخدم بنفسه هويته الرقمية الخاصة على التطبيق، ليتلقى وفقاً لذلك الأخبار، وحتى فقط الإشعارات التي تشبهه ويود أن يتلقى أخباراً حولها، وهي طريقة ليست فقط أكثر أماناً فيما يخص بيانات المستخدم، بل أدق وأسرع استجابة من الخوارزميات فيما يخص أي تغير يطرأ على شخصية المستخدم التصفحية واهتماماته، فالمهتم اليوم بالملف الإيراني والعقوبات الأمريكية مثلاً، قد يعدل رأيه بعد فترة ويقرر الاهتمام بملفٍ آخر، أو قد يوسع اهتماماته ليضيف لها حقلاً جديداً، أو يقلصها، أو يتحول عن السياسة تماماً نحو الفنون أو الرياضة، وقد يبقي مع ذلك كله بقليلٍ من الاهتمام بالسياسة، وفي أسطرلاب، لا ننتظر أن تدرك الخوارزمية هذا التغير المؤقت أو الطارئ في اهتمامات المستخدم، بل نجعل الأمر منوطاً بشكل يدوي بقرارات المستخدم الفردية، فإمكانية المتابعة وإلغاء المتابعة في غاية السهولة.

كما تجدر الإشارة إلى أن اعتماد الصحافة الموجهة بناء على الهويات الرقمية، يعرض المستخدم لخطر أن يُحصر في فقاعات إخبارية، وأن تقصر مداركه على ملفات بعينها، وأن يُغيّب عن باقي الأحداث خارجها، وفي أسطرلاب، نحارب هذه الظاهرة من خلال توفير واجهتين، واجهة اختياراتي، التي تبقي القارئ مطلعاً على الملفات التي اختار متابعتها، وواجهة اختيارات المحررين، وفيها يبرز محررو التطبيق، وفقاً لمعايير مهنية، أخباراً من أقسام مختلفة تبقي القارئ على اطلاع على أهم أحداث العالم في ذلك اليوم، دون حصره في فقاعة ما، ودون إجباره أيضاً على الخروج من فقاعته.