هل يجبر الذكاء الاصطناعي الصحافة المستقلة على التخلي عن استقلاليتها؟

في العقود الثلاثة الأخيرة، كان ظهور الإنترنت علامة فارقة في حياة الصحافيين، خاصة المستقلين منهم (Freelancers)، ممن وجدوا في مواقع التدوين، تلتها منصات السوشال ميديا، منبراً لنشر موادهم والحصول على تغذية راجعة حولها والتواصل مع جمهورهم والتشبيك، والأهم بناء سمعة صحفية وجمهور مخلص يتابع الصحفي بعيداً عن المؤسسة التي ينشر مواده معها. هذه الإمكانيات أسهمت بدورها في ازدهارٍ بعدد الصحافيين ممن اختاروا العمل كمستقلين، وجعلت من الصحافة المستقلة وظيفة مرضية على الصعيدين المهني والمادي.

ورغم أنها أضافت عبئاً من المهام على عاتق الصحفي لا يمكن إنكاره، إذ فرضت صحافة الموبايل وعصر السوشال ميديا على الصحافي أن يتقن أداء كثيرٍ من المهام في آن واحد، ليكون الباحث والمعد والمنتج والمصور والمحرر والناشر على الإنترنت، إلا أن عدداً لا بأس به من الصحافيين أثبتوا للآن قدرة على مواكبة هذه المتطلبات والاستفادة من الإمكانات الجديدة التي أتاحتها ثورة الديجتال. هذا حتى عهدٍ قريب، لكن ماذا عن المستقبل حيث يطل الروبوت برأسه، خلفه تقنيات كبيرة من الذكاء الاصطناعي؟ هذا ما تحاول هذه التدوينة لفت النظر إليه والإجابة -جزئياً- عنه.

في مقالاتٍ سابقة على أسطرلاب، عرضنا كيف يبدو مستقبل الصحافة متوجهاً نحو الذكاء الاصطناعي، مستفيداً مما راكمه العلماء حول تشكيل الهويات الرقمية وجمع البيانات الضخمة وتحليلها واستقاء الأنماط منها، وأبرزنا بضعة تجارب رائدة لعدد من كبرى المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء في هذا المضمار. ورغم أن العلماء ما زالوا يعتقدون أن لدى الصحافة مشواراً طويلاً حتى تتمكن من الاعتماد بنسبٍ محترمة على الروبوت في إعداد المحتوى الصحفي (نصاً وصوتاً وصورة)، إلا أنه مما لا شك فيه أن الوصول إلى هذه المرحلة مسألة وقت ليس أكثر.

بداية النهاية؟

يجادل البعض أن منصات التكنولوجيا مساحة أضيق وأقل مناسبة من الصحافة التقليدية بالنسبة للصحافي المستقل، نظراً لأنها مدفوعة بشكل أساسي بالمصلحة المادية، ما يجعلها تبدي الأرباح على أي منفعة مجتمعية أو أيديولوجية أو “أخلاقية”.  حتى وقت قريب، كان نشر وتوزيع المحتوى الإعلامي محصوراً على المؤسسة التي أنتجته، أما الآن فإن جزءاً كبيراً من السيطرة بيد مواقع الإنترنت، حيث تتجنب شركات مثل Twitter أو Facebook أو Google عن وعي إنتاج المحتوى، ويكتفون بالسماح أو عدم السماح للمحتوى الصحفي للوصول إلى جمهور المؤسسة.

في الحالة الصينية مثلاً يبدو هذا واضحاً جداً، فسعياً لاستمرار أرباحه وعلاقته المتينة مع الدولة، سعى موقع علي بابا الضخم للتجارة الإلكترونية إلى شراء عدد كبير من المواقع الإلكترونية، والتي قامت بدورها بتوحيد خط النشر عليها مع توجيهات الحكومة وتبنت أفكارها، مضيقة على الآراء المعارضة. وليست الصين بحالة شاذة عن كثير من دول العالم، وإن كانت حالة أكثر فجاجة ووضوحاً.

يبدو أن “العصر الذهبي” للصحفيين المستقلين بداً فعلياً بالأفول، إذ يمكن للصحفيين حالياً أن يشعروا بتأثير الذكاء الاصطناعي على عملهم وعلى تواجدهم التقليدي على الإنترنت، فخوارزميات الفيسبوك وجوجل، خاصة بعد التحديثات والتطويرات عليها (إقرأ: الملاحقات والتضييقات) عقب الانتخابات الأمريكية الأخيرة، قننت الوصول والتفاعل لحسابات عدد كبير من منتجي المحتوى الإخباري والسياسي، مسّ بشكل أكبر المستقلين والمؤسسات الصغيرة والحسابات غير الموثقة.

عدا عن شروع منصات السوشال ميديا، (أبرزها تويتر)، في حظر صحفيين وسياسيين ومعارضين، عشوائياً أحياناً وقصداً بأحيان أخرى، وإعطائها الصلاحية للحكومات لمراقبة نشاطات جهات بعينها، وطلب حظرها، أو في أسوأ الأحوال قطع الإنترنت عنها (سلطات الإكوادور مثلاً قطعت الإنترنت مراراً عن جوليان أسانج، أحدثها في مارس الماضي بسبب تغريداتٍ له عن روسيا)، وبذلك يبدو الصحفي المستقل (ظاهرياً) ليس مستقلاً تماماً، إنما خاضعاً قسراً لشروط عمالقة الديجتال مثل فيسبوك وجوجل، ممن أعطوا أنفسهم صلاحية المراقبة والتنظيم والحذف، وهي الصلاحيات التي يمتلكها رئيس التحرير في أكثر المؤسسات الإعلامية تقليدية.

فهل يعني هذا أن الصحفيين المستقلين سيغدون مجبرين على العودة عاجلاً أم آجلاً إلى كنف المؤسسات الإعلامية الكبرى؟ نظراً للتكلفة المادية العالية لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي حتى الآن لا يبدو أن فرداً قد يملك القدرة المهنية على إدارتها لوحده، ناهيك عن القدرة المالية لاستغلالها وتوظيفها.

هل تستبدل صحافة البيانات الصحافة المستقلة؟

في غمرة الحديث عن مستقبل الصحافة، يشير المختصون إلى عديد من المهن المستحدثة في هذا المجال، تجمع في معظمها بين الخبرات التكنولوجية والمهارات الصحافية الأساسية، لعل من أبرزها مهنة: صحفي البيانات. ويصف الكثيرون صحافة البيانات بأنها “شكل جديد من رواية القصص يجمع بين المهارات والتقنيات التي تُعلم الممارسة المهنية للصحافيين بتحليل البيانات ومهارات البرمجة”. يجادل سايمون روجرز، المتخصص في البيانات، بالمثل: “إذا كانت صحافة البيانات تدور حول أي شيء، فستكون مرونة البحث عن طرق جديدة في سرد القصص. المزيد والمزيد من المراسلين يدركون ذلك”. فهل يحل صحافي البيانات الضخمة محل الصحافي المستقل؟ قد تلوح هذه الإمكانية بالنسبة للصحافي في عددٍ من الدول الغربية التي تتيح للمواطنين والصحافة حرية الوصول والاطلاع والاستفادة من بيانات حكومية ورسمية، لكن ماذا عن الدول العربية التي أقصى ما يحظى به معظم مواطنوها هو حرية الوصول لحالة الطقس وأسعار صرف العملات؟ هل بإمكان العربيّ أن يصبح صحافيّ بيانات؟ صغيرة أم ضخمة؟

عموماً، ومهما امتلك الصحافي إمكانية الوصول إلى البيانات الضخمة، فإن المؤسسات الكبرى تبقى متقدمة عليه بمراحل، إذ لديها المزيد من الموارد، والتي تصبح ذات أهمية أكبر خاصة عند العمل على تحقيقات مكثفة زمانياً، وتعتمد على تحويل البيانات الجامدة إلى مواد صورية وإنفوجرافيك. وناهيك عن الصحافة المستقلة، فحتى غرف الأخبار الصغيرة لا تتمتع بإمكانية الوصول إلى قواعد بيانات باهظة الثمن أو خبراء مثل المبرمجين و”صائدي البيانات” والمصممين.

بعد هذه القراءة السريعة، يبدو فعلاً أن الصحافة المستقلة، بمفهومها وشكلها الحالي، مقبلة على تغير جوهري في العقود المقبلة. لكنه يظل أمراً لا يمكن الجزم به، فهناك مساعٍ لتبسيط وخفض تكلفة أدوات الذكاء الاصطناعي، ومن يدري لعلها بعد عقود تكون متوافرة في الأسواق كما كاميرات الديجتال الي أتاحت للمواطن العادي أن يكون مصوراً، بعد أن كان الأمر قبل عقود يستلزم الاستعانة بكاميرات ضخمة لا يمكن حملها، وثمنها مرتفع جداً.

فالصورة إذاً ليست قاتمة للغاية، فحتى الآن تبدو الوظائف الجديدة في عالم الصحافة أكثر من تلك التي انقرضت، وأوسع منها أفقاً وأكثر عملية وفائدة، وحتى الروبوت، يسعى مصمموه لأن لا يكون منافساً للجهد البشري، بل معززاً وداعماً وعامل اختصار للوقت والجهد، يبقى فقط على الصحفي أن يطور نفسه في الحقول التي يكون فيها غير قابل للاستبدال، سواء أكان مستقلاً أو ضمن مؤسسة.