الصحافة في عصر البيانات الضخمة (2)

في مقالتنا السابقة، ألقينا الضوء على أبرز تطبيقات البيانات الضخمة، والتي يمكن لوسائل الإعلام أن  تضطلع بها فيما لو جمعت أكبر كمية من البيانات من مستخدميها وعملائها ثم حللتها وقيّمتها وعملت على إعادة بناء وتقديم خدماتها وبرامجها ومحتواها طبقاً للنتائج.

كلمة السر في كل ذلك هو “ما يفضله العميل”، إنها حرب من أجل الفوز بقلبه أو عينه أو إصبعه.

في هذه المقالة، سنذهب إلى تجارب عملية قامت بها أربع وسائل إعلام كبرى، استغلت الكمية المهولة من البيانات التي لديها عن عملائها ومستخدميها، ثم أعادت تقييم تجربتها بناء على ذلك، فأحيانا قدمت منتجات جديدة، وأحيان أخرى ألغت بعض المزايا، وفي بعض الأحيان عدلت في بعض برامجها.

بي بي سي: تحليل وجوه المشاهدين

لدى بي بي سي، مئات العروض والبرامج التلفزيونية، وهي ترى أن استطلاعات الرأي ليست أفضل طريقة لتعرف حقيقة رضى الجمهور عنها، وما إن كان برنامج تلفزيوني ينال استحسان المشاهدين أم لا على وجه الدقة، وبهذا الخصوص يقول دايفيد بويليقول دايفيد بويل، نائب الرئيس التنفيذي للبحث في شركة بي بي سي العالمية:

“أخبرنا البعض أنهم لم يكونوا متحمسين لبعض البرامج، بالرغم من كونهم متحمسين على المستوى العاطفي والداخلي،”، وأضاف: “لا يريد أحد الاعتراف بإعجابه بالعروض التليفزيونية، ولكن الأطفال يتفاعلون مع تلك العروض”.

من هنا، ابتكرت بي بي سي أداة لتحليل انفعالات الجمهور تعتمد على البيانات الضخمة، وتكمن مهمتها بالتعرف على تعبيرات الوجه للمشاهدين أثناء العروض التلفزيونية.

حلّلت بي بي سي، وفقاً لكتاب Big Data in Practice لـ Bernard Marr، حوالي 50 عرضاً تليفزيونياً في 4 دول مختلفة، باستخدام كاميرات مصممة لتسجيل أوجه المشاهدين وتفسير عواطفهم، وبمساعدة شركة CrowdEmotion، وهي شركة متخصصة بقياس وملاحظة التغيرات التي تطرأ على تعبيرات الوجه، وتمكنت من تسجيل تعبيرات الوجه للمشاهدين أثناء مشاهدتهم للعروض لتحديد الأجزاء التي تثير فضولهم وتلمس اهتماماتهم.

تتعلم الخوارزميات وتتعرف على وجه كل مشاهد للتمييز بين انفعال الوجه في الحالة الطبيعية وفي حالة التفاعل العاطفي مع العروض التليفزيونية، ثم تقوم بقياس تفاعل واحد مثل السعادة أو الخوف، وتقوم أيضاً بالعمل على تطوير قياسات أكثر تعقيداً مثل “التفاعل العاطفي الكلي” أو “السرحان العاطفي”، ويمقدور CrowdEmotion تحليل حوالي 2.5 مليون وجه في الدقيقة عبر السحابة.

بمقارنة بيانات التفاعل الوجهي الضمني بآراء العملاء الصريحة، تمكنت بي بي سي من تحديد أي العروض كانت ناجحة، وأي العروض تحتاج الى إعادة تأهيل، ففي تجربة واحدة، عدد من الأسر في أستراليا تم تسجيلهم للحصول على ردود أفعال المشاهدين عندما شاهدوا إعلان الموسم الأول من برنامج تشيرلوك. اكتشف الباحثون من هذه التجربة في استراليا أن المشاهدين الذين استمروا في إعطاء العرض تقييم عالٍ قد أظهروا رد فعل أكبر في المشاهد على الشاشة التي يمكن وصفها بأنها مفاجئة أو حزينة، أكثر من كونها مضحكة. هذا دفع منتج البرنامج في بي بي سي ليجعله أكثر ظلمة وإثارة وأقل كوميدية.


فايننشال تايمز: اشتراكات الموقع تفوق اشتراكات الصحيفة

الجريدة التي يزيد عمرها عن قرن وربع، نجحت بفضل البيانات في نمو وزيادة الاشتراكات عبر الانترنت من خلال فهم العميل واهتماماته، ومن ثم خدمته بشكل أفضل. وباستخدام البيانات الضخمة التي تم جمعها، تمكنت مجلة فايننشال تايمز من خلق طابعها الخاص في القراءات والمحتويات التي تصل الى العملاء والقراء، وباتت الاشتراكات في موقع FT.com تفوق الاشتراكات في مجلة FT، طبقاً لمدير قسم البيانات في فايننشال تايمز توم بيت.

تمكنت فايننشال تايمز من خلال البيانات الضخمة من تنظيم حملات إعلانية مخصصة بشكل أفضل، بالإضافة الى تطوير منتجات جديدة بالاعتماد على تلك البيانات التي توضح اهتمامات القراء.

ساعدها جمع البيانات وتحليلها في:

  • فهم ما يفضله القارئ من محتويات.
  • تحسين العلاقة بين العملاء والجريدة.
  • تخصيص المحتويات للمستخدمين.
  • تقديم ما يتوافق مع اهتمامات العملاء.

وفي حين واجهت الجريدة العريقة مشكلة بوجود حلقة مفقودة بين وقت النشر ووقت القراءة، أمكن للذكاء الصناعي وتحليل البيانات الضخمة في ردم هذه الهوة وسد تلك الثغرة، عبر معرفة ما يلائم القراء سواء لناحية وقت النشر أو الاهتمامات والمحتوى.


هاف بوست: البيانات هي الملك

تعتبر مجلة الهافنغتون بوست أحد أكثر من يطوّع البيانات الضخمة لصالح نموه وتوسعه، وهي تؤمن بأن “البيانات هي كل شيء”، على ما قال مسؤول بارز فيها لـ تقرير رويترز، قامت HuffPost باستخدام البيانات الضخمة لتحسين المحتوى، توثيق التعليقات، تحقيق الفعالية المطلوبة من الإعلانات، تنظيم عملية نشر ووضع الإعلانات، واضفاء الطابع الشخصي.

قد لا يعد سبقاً ان تستخدم هاف بوست، البيانات الضخمة من أجل التعرف على اهتمامات متصفحيها عبر مراقبة سلوكياتها داخل مواقعها وتطبيقاتها، بغية تخصيص المحتويات المناسبة للجمهور وتقديم ما يجذبه، الواقع أن هذا الاستخدام للـ Big Data سيغدو سمة لمعظم وسائل الإعلام الكبيرة، وربما المتوسطة أيضاً بغضون سنوات قليلة، لكن الهاف لم تقف هنا، إذ بالإضافة لذلك عملت على الاستفادة من البيانات الضخمة حتى في الجانب التحريري، فضلاً عن ضبط عملية التفاعل المسيء، ومن ذلك:

العناوين: اختبرت هاف بوست التأثير الإيجابي للعناوين الرئيسية في جذب الكثير للقراءة، عبر تجربة لاستهداف الوالدين عبر مقال “10 طرق تجعل العيش مع الطفل الصغير كالعيش في السجن”، وعبر اختبار بطريقة A/B حاولوا معرفة أي أنواع الوالدين يكونوا نشطاء على الانترنت في أيام الأسبوع عدا الأحد والسبت. لذا، للوصول الى هذا الجمهور المستهدف، وبعد تقييم البيانات الضخمة التي سجلتها الخوارزميات من اختبار A/B، قاموا بنشر المقال في الأوقات التي يكون الوالدين نشطاء بها بحيث يتم جذب الكثير من الزيارات.

وكانت النتيجة أن المقالة قرأها 24000 زائر في 7 ساعات وحوالي 41% من المشاهدات قد أتت عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي.

التعليقات: حللت هاف بوست مئات ملايين التعليقات التي تردها سنوياً على مقالاتها، وتبيّن لها أن التعليقات الجيدة تأتي من اشخاص معروفي الهوية، فيما تأتي التعليقات السبية وعديمة الفائدة من الأشخاص مجهولي الهوية. ساعدها معرفة ذلك في اتخاذ قرار بإلزام المعلقين بتسجيل عضوية وإعلان هويتهم، ومنعت التعليقات من اشخاص مجهولي الهوية.


PGA TOUR: أخبار الغولف بذكاء وسرعة

تقوم منصة Quill الذكية التي طورتها شركة Narrative Science بكتابة مقالات صحفية رياضية مباشرة من إحصائيات المباريات! حيث تلخص الجولة بشكل مخصص لكل لاعب في الملعب ولكل جولة على حده. Quill تقوم بتحويل أداء اللاعب وما يتوفر من انطباعات حوله وتقديمها للجمهور والمشجعين بحيث يمكن الوصول اليها من خلال محركات البحث، وهذا الخبر قامت Quill بإنشائه وتحريريه لصالح منصة PAG Tour المعنية بأخبار رياضة الغولف، والتي أعلنت أنها تستخدم Quill في تقديم أفضل تغطية للمشجعين.

إذن كيف يتم الأمر؟

في معظم الأسابيع، يكون هناك 150 لاعب جولف تقريباً يتنافسون في دوري PGA TOUR. تبدأ الجولة مبكراً في تمام الثامنة صباحاً وتنتهي في السادسة مساءً بشكل يومي. وبسبب ضيق وقت الجولات وكثرة عدد اللاعبين، لم يكن لدى القائمين على الدوري القدرة على تحليل أداء جميع اللاعبين سابقاً، بل كانوا يحللون أداء اللاعبين المتصدرين فقط. لذا، لم يكن هناك الإمكانية لتحقيق أمنيات جميع المشجعين وتحليل أداء لاعبيهم المفضلين.

قال سكوت جيترمان، نائب رئيس العمليات الالكترونية لدى TOUR: “تعمل منصة القصة الأتوماتيكية على تلبية احتياجات الجماهير وتحقيق رغبتهم في تحليل أداء لاعبيهم المفضلين وتقديم ما يمكن قراءته للجمهور، بالرغم من أنه من الممكن ألا يصل هؤلاء اللاعبين إلى الصدارة، “وبمساعدة منصة Quill، تمكنا من عمل تحليل وتقرير حول كل لاعب في الملعب بعد نهاية كل جولة”.

يعمل فريق “Narrative Science” مع فريق تطوير المحتوى والمنتجات لدى TOUR لفهم ما يجعل لعبة الجولف مثيرة وفهم ما يهتم به المشجعون في هذه اللعبة. لذا، تم تطوير منصة Quill لتحليل البيانات المستفيضة التي يتم الحصول عليها حول اللاعب في كل جولة لإنشاء قصة وتقرير حول أدائه.

ومن خلال القدرة الفائقة للمنصة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، أصبح لديها القدرة على صناعة محتويات تثير اهتمام المشجعين لكل لاعب ولهذه اللعبة بشكل عام. بالإضافة لذلك، يتم تطوير وإعداد التقرير ومحتواه بشكل مثير حول اللاعب قبل بداية الجولة التالية، بدون الحاجة الى الانتظار حتى نهاية اليوم.

شبكة PGATour تعاونت أيضاً مع شركة WSC Sports المتخصصة بتطوير منصة يمكنها إنشاء الفيديوهات الذكية التي تعتمد على الذكاء الصناعي من أجل تحليل فيديوهات TOUR التي يتم بثها بالإضافة الى البيانات التي يتم جمعها بواسطة نظام ShotLink (مملوك لشركة التكنولوجيا CDW وهو نظام ثوري لجمع ونشر الدرجات والبيانات الإحصائية عن كل لقطة يقوم بها كل لاعب في الوقت الفعلي) من أجل انشاء وتطوير محتويات مناسبة لجميع المنصات الرقمية الخاصة بـ PGA TOUR، فخلال دقائق، تقوم منصة إنشاء الفيديوهات بإنشاء مجموعة مختلفة من الفيديوهات التي تشتمل على فيديوهات مدتها 5 دقائق حول اللاعب، وهذا المهمة كانت تأخذ ساعات كي يتم إعدادها ونشرها على المنصات الإلكترونية في السابق.

لتوضيح أهم المشروع، قال سكوت جيترمان، نائب رئيس العمليات الرقمية في PGA TOUR: “يساعد بث ملفات الفيديو المباشرة الوقتية باستخدام التكنولوجيا المتقدمة التي تقدمها WSC في الحفاظ على المشجعين والجماهير وجذب تفاعلهم، تقديم الأفضل للجماهير عبر الانترنت، والمساعدة في وصول TOUR الى جماهير أكثر على مستوى العالم”.