الاشتراك المدفوع.. “تأميم الصحافة” كحل أمام انهيار مجانية الإنترنت

مع كل يوم تتقدم فيه التكنولوجيا الرقمية وتتحسن مزاياها، تزداد كذلك التحديات أمام مستخدميها، خاصة من أصحاب المنصات ومقدمي المحتوى؛ أولئك الذي يتنافسون على حيز يُضيّقه عليهم يوماً بعد يوم عمالقة الإنترنت مثل فيسبوك وتويتر وجوجل، ليصلوا بعد عناء إلى جمهورٍ يشكك في كل ما يقدمونه، خاصة بعد تزايد المخاوف من المحتوى الموجه والأخبار المزيفة وتلاعب أجهزة المخابرات العالمية في المحتوى المنشور. فما العمل لمنصة إعلامية جديدة، وكيف تخلق حيزاً لها وسط دائرة إلكترونية تضيق باستمرار؟

في هذه الأيام، تحدد الخوارزميات ما نراه وما يُحجب عنا. وهذا يثير بعض الأسئلة حول الجمهور والوصول والمشاهدات وما يتلوها من بناء تصورات حول أنفسنا والعالم الذي سمحت لنا الخوارزميات برؤيته، وأوهمتنا أنه كل ما على الإنترنت. فعندما تنظر إلى Facebook أو Instagram، من المهم أن تفكر في العوالم الإلكترونية التي تفتقدها بسبب هذه الخوارزميات.

لقد أصبح معلوماً الآن أن الإنترنت اليوم لا يشبه الإنترنت قبل سنتين مثلاً، وأن المنصات الإعلامية التي كانت تأخذ الطريق المختصرة نحو جمهورها، معتمدة على شعبية وانتشار مواقع مثل يوتيوب وفيسبوك، باتت الآن مضطرة إما للمساومة، أو لخلق مساحة جديدة لها بعيداً جزئياً عن هذه المواقع التي تغير سياساتها باضطراد. فبينما يبدو الأمر أسهل وقابلاً للتعايش معه بالنسبة للمحتوى الترفيهي، يبدو أن المحتوى السياسي والإخباري ينضوي على مقامرة أخلاقية وقانونية تزداد الرغبة كل يوم لدى فيسبوك مثلاً في التحرر منها.

وبعد الشرخ الكبير في المفهوم الذي كان دارجاً عن “مجانية الإنترنت”، لعل الأجدر في المؤسسات الإعلامية هي الأخرى أن تفكر في التحرر من هذه المواقع وتقلّب سياساتها ومزاج القائمين عليها وتحالفاتهم الاقتصادية والسياسية. هناك من ينظّر، وهناك من بدأ فعلاً، في التوجه نحو توفير تمويل خاص لكل مؤسسة، بعيداً عن الحكومات وعن رأس المال، داعين لـ”تأميم الصحافة”، بمعنى تشجيع الاشتراكات الشهرية للمستخدمين مقابل مبالغ معينة، بحيث يصبح الناس هم ممولي الأخبار التي يقرأونها وموجهي سياساتها والمتحكمين بما ينشر، بعيداً عن سطوة السياسة أو رأس المال.

ورغم أن هذا النقاش يبدو غربياً في محضه، وبعيداً، حتى الآن على الأقل، عن الممكن لدى العالم العربي، لأسباب كثيرة لعل أبرزها تضعضع قيم الحرية أساساً في منطقتنا، وسيطرة الحكومات والأيديولوجيات على الغالبية العظمى من المنصات الإعلامية والتدوينية، وليس آخرها طبعاً ضعف البنية التحتية الإلكترونية في معظم دول العالم العربي وإشكالية القدرة على الدفع إلكترونياً مثلاً، فإن هذا لا يحول دون نقاش فوائد الاشتراكات، ونقل تجارب منصات إعلامية كبرى معها، ونصائح من مختصين حول كيفية الوصول إلى الجمهور الذي لديه الرغبة والقابلية في الدفع الشهري مقابل الاشتراك، وكيفية الحفاظ عليه.

السباق على المشتركين

في تقريرٍ إحصائي أعد لصالح صحيفة “وول ستريت جورنال” العام الجاري، تبين للباحثين أن المؤسسات الإعلامية حول العالم تسارع خطواتها في سباقٍ نحو كسب ثقة المشتركين وتشجيعهم على التسجيل معها، ويزعم التقرير أنه بحلول العام 2021، ستصبح عوائد الاشتراكات هي مصدر التمويل الأساسي للمنصات. ويورد التقرير كذلك نسباً تقديرية حول الإقبال على تسجيل الاشتراك في سوق مثل المملكة المتحدة، إذ بلغت نسبة الأشخاص الذين يملكون قابلية للدفع الشهري لقراءة النسخة الإلكترونية، 23% من إجمالي قراء الصحيفة، بينما وصلت نسبة “المستخدم الممتاز” 27% ( ذلك الذي يعتبر الأخبار حاجة أساسية، وحالياً يدفع مقابل اشتراكات أو تبرعات شهرية لمنصة إخبارية أو أكثر، من لديه غالباً معدل دخل أعلى ولديه القابلية للدفع أكثر).

هناك تقارير أخرى تقدر أن نصف جمهورك من القراء لديهم القابلية ليصبحوا مشتركين لديك، لكن السؤال المهم إلى جانب “كيف أصل لهم” هو السؤال: “كي أحافظ عليهم”. إذ لا تكمن أكبر إمكانات النمو المستمر في اكتساب جمهور جديد فحسب، بل أيضًا في جذب الجماهير الحالية والاحتفاظ بها، خاصة بالنسبة للمؤسسات الإعلامية التي تملك بالفعل عدداً من المشتركين، حتى لو كانوا مشتركين مجاناً، أي مسجلين في القائمة البريدية للمنصة.

مؤسسة نيمان لاب البحثية التابعة لجامعة هارفرد، على سبيل المثال، سردت في تقرير حديث لها تجارب العديد من المؤسسات الإخبارية الأوروبية الحديثة، والتي وجدت بعض النجاح في الاحتفاظ بالقراء الذين يدفعون اشتراكات شهرية، من خلال خليط مراوغ من الخطوات جمع بين تزويد القراء بالتجربة الإخبارية التي يرغبون في الحصول عليها، وبين تتبع البيانات التي يزودونها للمؤسسة وتحليلها والاستفادة منها في معالجة المشاكل التي قد تدفع المستخدمين يوماً لإلغاء اشتراكهم.

ومن الخلاصات التي توصل لها التقرير، أن تمتع المشترك بصلاحية الوصول إلى مواد إخبارية خاصة به وذات جودة عالية ليس سبباً كافياً بالضرورة لاستمراره في الدفع، إذ يتعلق الأمر أكثر بفهم ما يقدّره عملاؤك وما ينضوي تحت اهتماماتهم، لتزويدهم بالمزيد منه. من المهم كذلك دراسة وتحليل بيانات المستخدم المتاحة لك كمؤسسة إعلامية: كيف يتصرف على موقعك، هل يستطيع الاستفادة من خيارات التخصيص التي وفرتها له؟ هل يتفاعل المستخدمون مع التنبيهات التي ترسلها لهم عبر تطبيقك؟ هل يتابعون أنواعًا جديدة من المحتوى غير التي تابعوها في الأساس؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف وصلوا لهذا المحتوى الجديد؟ فبالنسبة للقارئ الذي قد يرغب بالاشتراك، لن يدفع فقط مقابل قصص مميزة تتاح له وحده قراءتها دون بقية المستخدمين، إنما سيدفع لك حين توفر له تجربة إخبارية تشبهه ويطمح لها. ولهذا عليك أن لا تنسى التركيز على نوع المادة التي جذبته لتسجيل الاشتراك من الأساس، فطبيعة المحتوى التي جذبته للتسجيل عندك، هو نفس المحتوى الذي قد يدفعه للبقاء.

أمثلة

لعل أول من بادر إلى استخدام تقنية الحجب الجزئي للمواد لتشجيع الاشتراك هي الصحف المطبوعة، والتي بدأت حياتها المهنية كخدمة إخبارية مقابل مردود مادي، ثم انتقلت إلى الإنترنت لتعرض في البداية أعمالها كاملة أو جزءاً منها مجاناً. على سبيل المثال، تنتظر صحيفة فاينانشال تايمز أن تحقق هدفها بالوصول إلى مليون مشترك مدفوع الأجر في العام المقبل، إذ يبلغ الازدياد في معدل الاشتراك الرقمي لديها نسبة 11% على أساس سنوي. وتعود رحلة الفاينانشال تايمز نحو المليون مستخدم إلى العام 2002، حيث البدايات الأولى لاستراتيجية جدار الحماية. الجدار الذي قوبل حينها، وفق رئيس مجلس إدارتها، برد “معادٍ جدًا” من خبراء الإنترنت، الذين حذروا الصحيفة من أن “الإنترنت تريد أن تكون حرة” ولا أحد يود الدفع هناك.

أما في السوق الأمريكية، فالوضع يعد واعداً جداً فيما يخص الاشتراكات، حيث أن المستخدم الأمريكي معتاد منذ سنوات طويلة على الدفع مقابل معظم الخدمات التي يتلقاها. وهناك، تحظى جريدة وول ستريت جورنال بـ 3 ملايين مشترك، بينما نمت حديثاً صحيفة نيويورك تايمز إلى 3.8 مليون مشترك، أكثر من ثلثيهم مشتركون رقميون.

الجديد في هذا السياق، أن خدمات تأسست وانتشرت على الإنترنت فقط، مستفيدة من مجانيته، مثل شبكات Buzzfeed و Quartz، بدأت في تقديم خدمات خاصة مقابل اشتراكات شهرية، مثل خدمة سوق العملة الافتراضية من كوارتز، كخطوة أولى نحو التوسع في جذب المشتركين مقابل مبالغ مادية. ولعل توجهها هذا طبيعي جداً، فمن البديهي أن يسعى أصحاب أي مشروع لاستغلال ظرفٍ ما لتحقيق مكتسبات مادية منه، والظرف الذي نقصده هنا هو صعود ترمب، والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وكثرة الحديث والتخويف من الأخبار المزيفة.

كل ما حدث في هذا السياق، الجزء الحقيقي منه والجزء المبالغ فيه، أدى لتكوين ما يشبه “البارانويا” لدى المستخدم الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام من نوعية الأخبار التي يتلقونها؛ من يمولها؟ هل هي حقيقية أم مزيفة؟ هل هناك من يتلاعب بي من خلال هذا الخبر؟ بالتالي تكوين كتلة من المستخدمين لديها استعداد للدفع مقابل اطمئنانها أن الخبر الذي تتلقاه حقيقي. تماماً مثلما يحدث حين تغزو شائعة تلوث المياه بلداً معينة، فيترك المقتدرون مياه الصنبور ويهرعون لشراء المياه من السوبر ماركت بأسعار مضاعفة، فقط كي يطمئنوا على الماء الذي يشربون.

هذا الـ”تريند” العالمي نحو الاشتراك المدفوع للوصول للمحتوى الرقمي ليس حصراً فقط على المحتوى الإخباري، فقد سبقه بكثير المواقع الرياضية والترفيهية وحتى الطهي والتجميل. لكن هذا لا ينفي أنه يتوسع حتى بينها، فهناك مثلاً تجربة البرنامج السياسي الحواري الأمريكي The Young Turks الذي يحقق نصف أرباحه السنوية من عوائد تسجيلات المشتركين، الذين يبلغ عددهم 27 ألف شخص. وعلى قلة عددهم، مقارنة بالمنصات التي ذكرناها سابقاً، إلا أن تجربة البرنامج معهم مفيدة لمن يرغب في تتبع خطاهم والتوجه نحو فتح باب الاشتراك المدفوع، إذ صممت الشبكة تطبيقاً وضعت عليه كل إنتاجها لتسهيل الاشتراك، وحاولت إنتاج برامج أخرى ذات مواضيع مختلفة طمعاً في جذب مشتركين أكثر، لكنها لم تفلح في ذلك. الطريقة المجدية الوحيدة معها كانت بتقليل سعر أصغر باقة اشتراك من 10 إلى 5 دولار.