الدبلوماسية الرقمية: لماذا تبعتنا الحكومات إلى شبكات التواصل؟

هل يمكن أن نقول إن كل قادة العالم على تويتر؟ ربّما. تشير إحصائية حديثة نشرت في دراسة “تويبلوماسي 2018”  إن 97% من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة (مجموعها 193 دولة) لديها حضور رسمي على تويتر. 6 دول فقط لا تملك أي حساب رسمي على المنصة. ورصدت الدراسة وجود 951 حساباً تابعاً لرئاسة وزراء ووزراء خارجية 187 دولة، توزعت كالتالي: 372 حساباً شخصياً و579 حساباً لمؤسسات حكومية.

أما فيسبوك فهو ثاني أشهر منصة وسط قادة الدول. فبحسب الدراسة ذاتها رصد عام 2018 حسابات لرؤساء حكومة ووزراء خارجية 187 دولة على فيسبوك، وهو ما يمثل 93% من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. أما المنصة الثالثة في هذا المضمار فهي إنستجرام، إذ أن 81% من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة أنشأت حسابات على انستغرام وتشارك القصص اليومية.

ولعل من أبرز القادة “المغرّدين” الذين تعاملوا مع تويتر بطريقة مختلفة، هو دونالد ترمب، فالكثير من تغريداته التي تجاهلت اللغة الدبلوماسية كانت علامة مميزة له في الخط الزمني للمنصة، وتركت بقية الدول حائرة في الرد عليه أو التفاعل معه. وعربياً يمكن ذكر حساب رئيس الحكومة اللبناني، سعد الحريري، الذي تكفيك نظرة سريعة على حسابه في تويتر لتستنتج أنه يستخدمه بطريقة مختلفة عن بقية الرؤساء. ربما يمكن اعتبار كلا الرئيسين، “مغرّدين” فعلاً، وليسا مجرد رؤساء اضطروا لمواكبة طرق حديثة بالدعاية والسيطرة.

هنا تجدر الملاحظة أن انتباه الحكومات ومؤسسات الدولة المتأخر نسبياً لأهمية وجودهم على هذه المنصات هو انعكاس للارتباك الرسمي الذي سببته منصات التواصل للسلطات الحاكمة. إذ أن هذه المنصات كسرت احتكار الدولة والمؤسسات الإعلامية التقليدية للرسالة السياسية والإعلامية، ومنحت المواطن أداة تعبير وحشد وتنظيم قوية وفعّالة، فقد خلقت معها مصطلحات مثل “المواطن الصحفي” وفرضت نقاشات أفضى الكثير منها لاستنتاج يقول إن منصات التواصل نقلت القوة من الدولة إلى الشبكة.

الدبلوماسية العامة والرقمية: المصطلح والأداة والرسالة

بالرغم من انتشار المصطلح وتكرار استخدامه في السنوات الأخيرة، غير أن إيجاد تعريف ثابت لمصطلح “الدبلوماسية الرقمية” ليست مهمّة سهلة، خاصة أن وزارات الخارجية المختلفة تمارس هذا النوع من الدبلوماسية بأنماط مختلفة، وأن التطور المستمر لتكنولوجيا المعلومات وتقنيات التواصل تعيد تشكيل التعريف بشكل مستمر وتؤثر أيضاً على الممارسة.

وصفت الدبلوماسية الرقمية لأول مرة عام 2001، ومنذ ذلك الحين وهي حديث الأروقة الدبلوماسية الدولية. لقد عرّفت حينها بأنها “الاستخدام المتزايد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICTs) ومنصات الشبكات الاجتماعية في إجراء الدبلوماسية العامة.

وفي حين يعتبر هذا التعريف أن التغيّر جرى على الأداة فقط-أي قناة الاتصال- وليس على الرسالة السياسية والإعلامية، طوّرت لاحقاً تعريفات أخرى اعتبرت أن الدبلوماسية الرقمية ليست مجرد أداة متطورة تنقل الرسالة، وإنما أداة فرضت على المرسل إجراء تغييرات على شكل رسالته السياسية والإعلامية وأحياناً أيضاً على مضمونها.

فوفقاً لـ جولا وهولمز (2015) تشير الدبلوماسية الرقمية، بصورة عامة، إلى طريقة استخدام الجهات الحكومية للمعلومات والتكنولوجيا من أجل إدارة التغيير الدولي. وقد حددوا ثلاثة مكوّنات أساسية في تعريف الدبلوماسية الرقمية: المشاركة (engagement)، وإمكانية الوصول (Accessibility) أو الموارد (Resources)، ورصد المعلومات (information monitoring).

في البداية، استخدم مصطلح الدبلوماسية الرقمية لوصف استخدام وزارات الخارجية ومؤسسة الرئاسة لأدوات التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي لإرسال رسائل لدولة أخرى ولشعوب ومجتمعات أجنبية. وبالنظر إلى المصطلح نرى أنه تطوّر من مصطلح “الدبلوماسية العامة”، الذي بدأ يستخدمه السياسيون والصحفيون والباحثون في العقد الأول من القرن العشرين للإشارة إلى أنشطة متداخلة، وأعمال متنوعة تقوم بها الدول في إدارة علاقاتها الدولية، وصنع سياساتها الخارجية. (المصدر: الدبلوماسية العامة – دراسة في المفهوم)

الرسالة

لم تجد الحكومات مفرّاً من إجراء تعديلات على رسائلها السياسية والدبلوماسية، فالتفاعل بين الأداة الجديدة – منصات التواصل- والرسالة كان حتمياً. ففي حين تعتبر اللغة الرسمية المتبعة بالمراسلات بين الدول ملائمة لوسائل الإعلام وطرق المراسلات التقليدية، مثل التلفزيون والراديو والبيانات الصحفية، إلا أنها ليست كذلك بالنسبة لشبكات التواصل. وعليه أملت المنصات شروطها على المستخدمين جميعاً- وإن كان هذا المستخدم دولة أو رئيس. ففي منصات تويتر يمكن للرئيس والوزير ومؤسسات الدولة استخدام الرموز التعبيرية ولغة أقل رسمية والتخلي عن الكثير من الألقاب الطويلة وقوالب الصياغات الدبلوماسية المعتادة، لتلائم الرسالة المنصة ومستخدميها من جمهور الهدف. كما أن إمكانية النشر اللامحدودة والمقتضبة على تويتر قد تحفز القادة ومؤسسات الدولة وممثلي الشعب التعليق على الأحداث وإرسال رسائل للشعب بوتيرة أعلى، لأسباب عدة منها فعالية الأداة وانعدام التكلفة والمنالية العالية.

إن حتمية تأثير منصات التواصل على الرسالة الدبلوماسية للحكومات تنبع من عدة أسباب، أولاً، فقدان الوسيط بين المرسل (الدولة أو الدبلوماسي) والمستقبِل (المجتمع الأجنبي أو الدولة الأجنبية) وبالتالي يتوجب على الدولة المرسلة الحديث مباشرة مع الناس بلغتهم، لذلك نلاحظ العديد من القادة يغردون بلغات أجنبية في مناسبات مختلفة وعند زيارة دولة صديقة، ودبلوماسيون يخوضون حوارات ويرسلون الرسائل الخاصة للمغردين كذلك.

ثانياً، التفاعل الفوري للمغردين مع الرسالة، القدرة على تلقي التغذية الراجعة خلال ثوانٍ معدودة يؤثر حتماً على الرسالة. وبطبيعة الحال هناك حاجة ماسّة لإجراء دراسات على نوع التأثير ومداه. ثالثاً، نظراً لوجود أدوات تقنية تمكّن الدولة من كشف الجمهور وأجندة اهتماماته اليومية ومجموعة المؤثرين (Influencers) في محيطه، يمكن للحكومة توجيه رسائل متعددة ومخصصة لكل شريحة وفقاً لأهدافها المرحلية.

حضور غير رسمي

بالإضافة إلى الحضور الرسمي لمؤسسات الدولة المختلفة عبر منصات التواصل، تستفيد السلطات من الحيز الرقمي لتمرير أجنداتها السياسية وما ينبثق عنها من رسائل تهدف إلى التأثير بالرأي العام عبر بث رسائل من قنوات غير رسمية. فبالتوازي مع إرسال الدولة لمجموعات طلابية أو تطوعية أو غيرها بهدف نشر رسالة سياسية رسمية بين الناس (سواء داخل الدولة أو خارجها)، تفعّل بعض الحكومات المواكبة للتطور الرقمي والمدركة لأهمية المنصات كقنوات تواصل مباشرة مع الناس في كل مكان، حسابات غير رسمية عبر تويتر وفيسبوك وإنستغرام وتطبيقات أخرى، مهمّتها بث الرسالة التي تحددها السلطة الحاكمة، وإدارة معارك الوعي عبر الشبكة.

وهنا أيضاً، لا يمكن تجاهل النموذج الإسرائيلي في الدعاية السياسية على الشبكة، وهو ما يعرف إسرائيلياً باسم “هسبراه”. فبالإضافة إلى نشاط القنوات الرسمية التي تشمل حسابات السياسيين ومؤسسات الدولة، تضم مؤسسات الحكم وزارة صغيرة تدعى “وزارة الشؤون الاستراتيجية والإعلام” التي تعمل منذ مدة على تشكيل منصة تجمع مؤيدي “إسرائيل” حول العالم، أفراداً ومؤسسات، عبر منصة واحدة، تقوم الوزارة بتزويدهم بالبنية التحتية والأدوات اللازمة لبث الدعاية الإسرائيلية حول العالم. وفي إطار هذا النشاط يتم دعم مغردين ومؤثرين غير رسميين في شبكات التواصل بهدف العمل كمسوّقين للرسائل الإسرائيلية بشكل مبطن في الفضاء الإلكتروني. إلى جانب إسرائيل هناك أمثلة أخرى يمكن طرحها.

ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين الحكومات ومنصات التواصل مرّت بمراحل عدة كانت الدولة في بدايتها غير آبهة أو غير منتبهة لقوة شبكات التواصل، برغم حضورها الشكلي فيه، حتى استخدمت لتنظيم تظاهرات ضخمة أدت لسقوط أنظمة (للمزيد حول هذا الموضوع أنظروا تدوينة اسطرلاب السابقة من هنا). ولاحقاً لذلك بدأت الحكومات بمحاولة ملاءمة مؤسساتها للاستفادة من المنصات للتواصل المباشر مع المواطنين وللإعلان عن مواقف سياسية وبث رسائل لشعوب بدول أخرى بلغتهم الأم، ما يعني استخدام المنصات كأداة قوة ناعمة.

بالرغم من ذلك لا تزال العلاقة بين الدولة ومنصات التواصل يشوبها التوتر، فمحاولات ضبط سياسة هذه المنصات وإخضاعها لسلطة الدول بطريقة أو بأخرى لا زالت مستمرة، وهو ما يعتبر مقامرة خطيرة بالنسبة لهذه الشركات، التي بدأت كأداة “تحرر” بالنسبة للمواطن وتنتهي لتكون أداة تراقبه وتشكّل آراءه. إلا أن مهمة الحكومات بالسيطرة على المنصات لم ولن تكون سهلة، فبالإضافة للتعقيدات القانونية وتشابك المصالح، فإن التطور التكنولوجي المتسارع يأتي بشكل مستمر بغير المتوقع من أدوات وبرمجيات م شأنها أن توسع حدود المتاح بالنسبة للمواطن وتصعّب على الدولة المواكبة والسيطرة بشكل كامل.