كيف تَغَيّر دور مواقع التواصل الاجتماعي بين الثورة المصرية وصعود ترمب؟

لفهم كيف تحولت التقنيات الرقمية من أدوات لنشر الديمقراطية إلى أسلحة لمهاجمتها، عليك أن تنظر إلى أبعد من التقنيات نفسها.

1  –نشوة الاكتشاف

بينما انتشرت موجات الربيع العربي في أنحاء الشرق الأوسط في 2011، وتساقطت الأنظمة الدكتاتورية واحدا تلو الآخر، سافرت إلى هذه المنطقة في محاولة لفهم الدور الذي كانت التكنولوجيا تلعبه. وقد تحدثت مع المتظاهرين في المقاهي القريبة من ميدان التحرير في القاهرة، وكثيرون منهم أكدوا أنهم ما داموا يمتلكون الإنترنت والهواتف الذكية فإنهم سوف ينتصرون. أما في تونس، فإن المتظاهرين المسلحين بالجرأة عرضوا علي البرمجيات مفتوحة المصدر، التي استخدموها لتعقب رحلات التسوق التي كانت تقوم بها زوجة الرئيس الدكتاتور إلى باريس، على متن الطائرة المملوكة للدولة. وحتى السوريون الذين قابلتهم في بيروت كانوا حينها لا يزالون متفائلين، حيث أن بلدهم لم يكن قد غرق بعد في جحيم الحرب الأهلية. وكان الشباب يتمتعون بالطاقة والذكاء وحس الدعابة، ويمتلكون هواتف ذكية، ولذلك كنا ننتظر أن مصير هذه المنطقة سوف يحسم لصالح الديمقراطية.

بالعودة إلى الولايات المتحدة، وخلال مؤتمر للحوار في 2012، استخدمت لقطة من مقطع فيديو منتشر تم تصويره خلال الاحتجاجات في شوارع إيران في 2009، لإظهار كيف أن التكنولوجيات الجديدة كانت تصعب الأمر على من يتحكمون في تدفق المعلومات سواء كانوا من الحكومات ووسائل الإعلام، من أجل خنق ومراقبة خطاب المعارضة.

وفي الفيديو ظهرت صور مؤلمة يصعب النظر إليها؛ فيها فتاة شابة تنزف وهي مرمية على الأرض حتى فارقت الحياة فوق الرصيف. وهنا تكمن قوة التكنولوجيا، إذ أنه قبل عقد من الزمان، كان من المستحيل التقاط هذه الصورة (لا أحد كان يحمل معه جهاز الكاميرا طوال الوقت)، ويصعب أيضا نشرها على نطاق واسع (إلا إذا كنت تمتلك محطة تلفزيون أو صحيفة). وحتى لو صادف وجود مصور محترف في ذلك المكان، فإن أغلب المؤسسات الإعلامية لم تكن لتعرض تلك الصور الصادمة.

في ذلك المؤتمر الذي حضرته، تحدثت عن دور مواقع التواصل الاجتماعي في وضع حد لما يسميه علماء الاجتماع “الجهل التعددي”، وهو اعتقاد الشخص بأنه وحيد في رأيه، رغم أن الواقع هو أن كثيرين يشاطرونه الرأي ولكن تم إسكاتهم. وقد قلت حينها إن هذا هو العامل الذي مكن شبكات التواصل الاجتماعي من تشجيع الثورات: إذ أن الأفراد الذين كانوا في السابق معزولين في معارضتهم للأنظمة، استمدوا قوة جديدة من بعضهم البعض.

so18-howarabspring-7

قامت شركة تويتر بإعادة تغريد خطابي، في إطار دعوة للباحثين عن عمل للالتحاق بموجة شبكات التواصل الاجتماعي. وكان المغزى من تلك الخطوة هو إظهار أن شركة تويتر كانت تمثل قوى الخير في هذا العالم، وتقف إلى جانب الشعوب وثوراتها. وهكذا يبدو أن المتحكمين الجدد في تدفق المعلومات، الذين لم يكونوا ينظرون لأنفسهم على أنهم وسائل تقليدية، بل منصات محايدة، كانوا رغم حيادهم مسرورين بقدرة تكنولوجياتهم الجديدة على قلب الأوضاع. كنت أشاطرهم هذا التفاؤل، وكنت بدوري أحييهم من الشرق الأوسط وأنا أشاهد المعارضين يستخدمون الوسائل الرقمية للوقوف في وجه الحكومات. ولكن كان هنالك تغيير ٱخر كبير قد وقع فعليا.

خلال ثورة ميدان التحرير، قام الدكتاتور المرهق في مصر، محمد حسني مبارك، بخطوة رعناء تمثلت في قطع خدمات الإنترنت والهاتف الجوال. إلا أن هذا الإجراء حمل نتائج عكسية: إذ أنه ضيق المجال على تدفق المعلومات من ميدان التحرير، ولكنه في نفس الوقت رفع من حجم الاهتمام الدولي بالأوضاع داخل مصر. ولم يفهم مبارك حينها أنه في القرن 21، وما يهم فعلا ليس المعلومة بل الاهتمام بها.

إضافة إلى ذلك، فإن أصدقاء شباب الثورة الذين بقوا في ميدان التحرير سارعوا في إحضار الهواتف التي تعمل على الأقمار الصناعية، وهو ما مكنهم من مواصلة إجراء المقابلات الصحفية وإرسال الصور للمؤسسات الإعلامية العالمية، التي باتت حينها أكثر اهتماما بهم. وخلال أسابيع قليلة، تم إجبار مبارك على التنحي. وحل مكانه مجلس عسكري، قام بإجراءات كانت تنبؤ بما كان سيحدث بعد ذلك. فقد سارع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية لإنشاء صفحة فيسبوك، وجعلها النافذة الحصرية لبياناته، فهو تعلم من أخطاء مبارك، وقرر أن يلعب بنفس قواعد المعارضين وعلى ميدانهم المفضل.

so18-howarabspring-3

في غضون سنوات قليلة، شهد فضاء الإنترنت في مصر تغييرا دراماتيكيا. حيث قال لي أحد النشطاء البارزين على شبكات التواصل الاجتماعي: “كنا أكثر تأثيرا عندما كنا بمفردنا على تويتر، ولكنه الآن بات مليئا بالمشاحنات بين المعارضين، الذين يتعرضون للقمع من قبل أنصار النظام”. وفي 2013، وعلى إثر اندلاع مظاهرات ضد الحكومة المدنية التي كانت لا تزال في بداية عهدها والناس منقسمون حولها، قام الجيش بالاستحواذ على السلطة.

أصحاب السلطة دائما ما يتعلمون، والأدوات القوية دائما ما تسقط في قبضتهم. هذا درس مؤلم في التاريخ ولكنه حقيقي، وهو مهم لفهم كيف تغير دور التكنولوجيات الرقمية خلال سبع سنوات، من الإشادة بها كأدوات للحرية والتغيير، إلى إلقاء اللوم عليها بسبب التغييرات التي شهدتها الديمقراطيات الغربية، وتسببها في تزايد موجة الشعبوية، والدكتاتورية، والتدخل في الانتخابات الوطنية من قبل روسيا وأطراف أخرى.

لكن من أجل فهم ما حدث بالكامل، نحتاج أيضا لإلقاء نظرة على تفاعلات الإنسان في مجتمعه، وأدوات الاتصال الرقمي التي باتت حاضرة في كل مكان، والأساليب الربحية التي يعتمدها عمالقة التكنولوجيا، من أجل خلق محيط تنتشر فيه المغالطات والأكاذيب، وحتى المعلومات الصحيحة تصبح فيه سببا للارتباك والعجز عوضا عن التثقيف والإرشاد.

2  –جرأة الأمل

مثل فوز باراك أوباما في انتخابات 2008، ليكون أول رئيس للولايات المتحدة من أصول إفريقية، مقدمة لقصة الربيع العربي ودور التكنولوجيا في دعم الطرف المستضعف. فقد كان أوباما مرشحا بحظوظ ضعيفة، إلا أنه خرج في نهاية السباق منتصرا، بعد فوزه أولا على هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي، ثم الفوز على خصمه الجمهوري في الانتخابات العامة.

خلف الانتصاران في 2008 و2012 سيلا من المقالات المدحية التي تشيد باعتماد حملة باراك أوباما على التكنولوجيا، والاستخدام المكثف للبيانات الرقمية في شبكات التواصل الاجتماعي، وتصنيف المترشحين بحسب ميولاتهم، واستهداف شرائح ضيقة بشكل دقيق. وبعد هذا الانتصار الثاني، نشرت مجلة التكنولوجيات، التي يصدرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، صورة للفنان بونو على غلافها، وقد كتب عليها “الاعتماد على البيانات سوف ينقذ السياسة”، إلى جانب مقولة “الهاتف المحمول والإنترنت وانتشار المعلومات، توليفة مدمرة للدكتاتوريات”. 

لكن، كنت أنا وكثيرون غيري نلاحظ أن الأنظمة الدكتاتورية بدأت حينها تقلق من هذه التطورات. ومن النقاط التي كنت أركز عليها، هي إمكانية استخدام تقنية الاستهداف الدقيق، خاصة على موقع فيسبوك، من أجل تنفيذ عمليات تخريبية في المجال العام. وكان صحيحا أن شبكات التواصل الاجتماعي مكنت المعارضين من اكتشاف أنهم ليسوا بمفردهم، ولكن الاستهداف الدقيق على مواقع الإنترنت كان يمكن أن يخلق عالما لا يعلم فيه الفرد ما هي الرسائل التي يتلقاها جيرانه أو كيف يتم تصميم رسائل موجهة خصيصا لرغباته هو ونقاط ضعفه.

مكنت المنصات الرقمية الجماعات من الالتفاف والتنظم بأشكال جديدة، ولكنها في نفس الوقت تسبب في تشتيت الجماعات التي كانت قائمة، والتي كانت تشاهد نفس القناة الإخبارية على التلفاز وتقرأ نفس الجرائد. وحتى العيش في نفس الشارع لم يعد يعني الكثير، بما أن المعلومات باتت توزع عبر خوارزميات مصممة لزيادة الأرباح عبر جعل الناس يلتصقون بشاشاتهم.

لقد مثل هذا نقلة من ممارسة السياسة بشكل علني وجماعي إلى أسلوب جديد أكثر خصوصية وفردية، تقوم فيه الأطراف السياسية بجمع المزيد والمزيد من البيانات الشخصية، لفهم كيف يمكن ملامسة الوتر الحساس لدى كل شخص دون أن يشعر هو بذلك. وكنت أخشى أن كل هذا كان يمثل وصفة جاهزة لممارسة التضليل والاستقطاب.

بعد وقت قصير من سنة 2012، كتبت افتتاحية في صحيفة نيويورك تايمز، عبرت فيها عن هذه المخاوف. وبما أنني كنت حينها لا أرغب في أن أظهر كشخص متشائم، فإنني قللت من خطورتها، وطالبت فقط بالشفافية والمحاسبة للدعايات السياسية والمحتوى المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر نفس الآليات التي كانت قائمة لتنظيم الوسائط التقليدية مثل التلفزيون والراديو.

جاء الرد سريعا على ما كتبته، حيث أن إيثان رويدر، مدير البيانات في حملة أوباما في 2012، كتب مقالة بعنوان “أنا لست الأخ الأكبر”، ووصف المخاوف التي عبرت عنها بأنها لا معنى لها. وكل علماء البيانات والمسؤولون الديمقراطيون الذين تحدثت معهم غضبوا بشدة من اعتقادي بأن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورا غير إيجابي. كما أن القراء الذين علقوا على افتتاحيتي في الصحيفة، اعتبروا أنني أسعى فقط لتعكير مزاجهم، في وقت كانوا فيه فرحين بهذه التكنولوجيا التي مكنت الديمقراطيين من تحقيق نتيجة جيدة في الانتخابات، ولذلك فإنهم لم يتمكنوا من رؤية أين يكمن المشكل.

so18-howarabspring-2

3 -وهم المناعة

لم يكن ثوار ميدان التحرير وأنصار الحزب الديمقراطي الأمريكي وحدهم الذين يعتقدون أنهم ستكون لهم الكلمة العليا من حينها فصاعدا. كانت وكالة الأمن القومي الأمريكي تمتلك ترسانة من أدوات الاختراق والتجسس، بناء على التكنولوجيات الرقمية، والثغرات، والأبواب الخلفية السرية، ووسائل الاستغلال، والمعادلات الرياضية المتطورة جدا، إلى جانب قدرات الحوسبة الكبيرة. هذه المنظومة التجسسية يطلق عليها باختصار عبارة “nobus” لدى عشاق العمل الاستخباراتي، وهي تعني “لا أحد يمكنه القيام بهذا الأمر غيرنا”، حيث كانوا يعتقدون أن لا أحد غيرهم يمكنه استغلال التكنولوجيات لهذا الغرض، ولذلك لم يكن هنالك داع لسد تلك الثغرات في التكنولوجيا أو السعي لتأمين أجهزة الحاسوب أكثر.

كانت وكالة الأمن القومي تعتقد حينها أن ضعف الأمن في الإنترنت يضر بخصومها أكثر بكثير مما يضر بها هي. هذه الثقة بدت مفهومة ومبررة بالنسبة لكثيرين، ففي نهاية الأمر الإنترنت اختراع أمريكي، وأكبر شركات الإنترنت تأسست في الولايات المتحدة. كما أن علماء الحاسوب من كافة أنحاء العالم كانوا يتجهون إلى هذا البلد، على أمل إيجاد فرصة في وادي السيليكون. وكانت وكالة الأمن القومي تمتلك ميزانية ضخمة، والآلاف من أفضل القراصنة وعلماء الرياضيات في العالم.

بما أن كل هذه المعلومات مصنفة على أنها سرية، فلا يمكننا معرفة القصة الكاملة، إلا أنه بين 2012 و2016 لم يتم بذل أي جهود لتدعيم البنية التحتية الرقمية في الولايات المتحدة، ولم يتم إطلاق أي تحذيرات حول ما سيحدث بعد خروج هذه التكنولوجيا إلى باقي الدول. كان تدفق المعلومات حول العالم من خلال المنصات الدولية، يعني أن شخصا جالسا في مكتبه في مقدونيا أو في ضواحي موسكو أو سانت بيتسبرغ، يمكنه إنشاء موقع للأخبار المحلية في ديترويت في الولايات المتحدة.

لم يبد حينها أن المؤسسات الأمريكية، متمثلة في وكالات الاستخبارات، والبيروقراطية، والآلة الانتخابية، كانت على وعي تام بأن تحقيق الأمن الرقمي الحقيقي يتطلب تطوير البنية التحتية التقنية ورفع مستوى الوعي العام حول خطورة القرصنة، التضليل، التدخل الخارجي والمخاطر الأخرى. يبدو أن سيطرة الشركات في الولايات المتحدة، وقوتها التقنية في عديد المجالات، صرفت أنظار البلاد عن نقاط الضعف التي كانت بصدد التشكل في عديد المجالات المهمة.

4 قوة المنصات

في هذا السياق، يبدو أن حفنة من عمالقة شبكات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، ترك لها المجال للتعامل بالشكل الذي تراه هي مناسبا مع المشاكل التي قد تطرأ. ولذلك فإنه من غير المفاجئ أن هذه الشركات منحت الأولوية لرفع قيمة أسهمها وتعزيز أرباحها. وعلى امتداد سنوات إدارة أوباما، حققت هذه المنصات نموا مذهلا ولم تخضع للكثير من الإجراءات التنظيمية. وقد صرفت هذه الشركات وقتها في تعزيز قدرتها التقنية على مراقبة المستخدمين، حتى تجعل الدعاية التجارية في منصاتها أكثر ربحا. وفي زمن لا يتجاوز العشر سنوات، أصبحت شركتا غوغل وفيسبوك الثنائي المحتكر لسوق الدعاية الرقمية في الفضاء الافتراضي.

كما قام فيسبوك بالاستحواذ على كل من رأى فيهم إمكانية منافسته، على غرار واتساب وإنستغرام، وكل ذلك دون أن يثير ريبة المستخدمين. مكنت هذه الخطوات الشركة من جمع المزيد من البيانات، وساعدتها على تطوير خوارزمياتها لإبقاء المستخدمين أكثر وقت ممكن على منصة فيسبوك، واستهدافهم بالدعايات. وهكذا فإن محركات الذكاء الاصطناعي الخاصة بفيسبوك كانت قادرة على التعرف على الشرائح المستهدفة، والبحث عن عدد كبير من المستخدمين الذين يشبهون بعضهم، والذين يحملون استعدادا لتقبل رسالة معينة. وبعد 2016، أصبح الخطر الكبير الذي تمثله هذه التقنية بالذات أكثر وضوحا للجميع. 

في الأثناء، فإن شركة غوغل، التي يمكن لترتيب نتائج البحث في محركها إنجاح أو إفشال أي شركة أو خدمة أو وجه سياسي، والتي كانت خدمة البريد الإلكتروني فيها تضم مليار مستخدم في 2016، كانت أيضا تشغل منصة مقاطع الفيديو يوتيوب، التي تزايد دورها كقناة لنشر المعلومات والبروباغاندا حول العالم. وقد كشف تحقيق قامت به صحيفة وول ستريت جورنال في وقت سابق من هذا العام، أن خوارزميات عرض المقاطع في يوتيوب كانت تدفع المشاهدين نحو مواد أكثر تطرفا، عبر اقتراح مقاطع الفيديو التي تكون أكثر انغماسا في أي موضوع كانوا يشاهدونه، وهذه طريقة ذكية لشد اهتمام الزوار.

هذه الطريقة كانت مربحة بالنسبة ليوتيوب، ولكنها مثلت أيضا نعمة لأصحاب نظرية المؤامرة، بما أن الناس باتوا يشاهدون أكثر الآراء الصادمة والغريبة. وأصبحت الدعابات حول أليكس جونز منتشرة كثيرا، حيث يقال أنه مهما كان مقطع الفيديو الذي تشاهده في الولايات المتحدة، فإنك إذا تابعت المقاطع التي يقترحها عليك يوتيوب بعد ذلك، سينتهي بك الأمر إلى مشاهدة أليكس جونز، وهو شخص يميني من هواة نظرية المؤامرة، والذي كان يسعى لإقناع الناس بأن حادثة إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك في 2012 لم تحدث فعلا، والآباء المصدومين الذين تم تصويرهم كانوا مجرد ممثلين يلعبون أدوارهم في مؤامرة خسيسة ضد الشركات المصنعة للبنادق.

رغم أنه أصغر حجما من فيسبوك وغوغل، فإن تويتر لعب دورا كبيرا بفضل شعبيته في صفوف الصحفيين والأشخاص المنخرطين في السياسة. إذ أن فلسفة الانفتاح وسهولة الاستخدام واعتماد الأسماء المستعارة التي قام عليها، كانت مناسبة للمعارضين والثوار في أنحاء العالم، رغم أنها كانت في نفس الوقت جاذبة للمجهولين الذين كانوا يوجهون الإساءات للمرأة والمعارضة والأقليات. ولم تقم شركة تويتر بأي خطوات ضد استخدام الحسابات المدارة آليا لنشر المحتوى المسيء، إلا في وقت سابق من العام الجاري. كما أن أسلوب انتشار التغريدات على تويتر مثل النار في الهشيم، كان يناسب أي شخص لديه فهم علمي أو حدسي لآليات جلب الاهتمام، وهي المهارة الأساسية في عالم الاقتصاد الرقمي.

من بين من امتلكوا هذه المهارة، يتبادر إلى الذهن شخص كان سابقا من نجوم تلفزيون الواقع في الولايات المتحدة، وهو شخص لديه قدرة خارقة على اختلاق الإساءات والأسماء المستعارة حول خصومه، وتقديم الوعود بتبجح، حتى يجد صدى في أوساط الناخبين، وبطريقة تسببت بإعادة رسم ملامح المشهد السياسي الأمريكي، وهو أمر لم ينتبه إليه حينها القادة التقليديون في الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

so18-howarabspring-4

يعد دونالد ترمب، كما بات معروفا لدى الجميع، شخصاً ماهراً في استخدام تويتر لجذب الاهتمام. لكن حملته أبدعت أيضا في استخدام فيسبوك كما كان مصمما ليستخدمه المعلنون، أي من خلال اختبار مئات الآلاف من المستخدمين عبر الرسائل، والاستهداف الدقيق لشرائح معينة، بالأساليب الأكثر نجاعة.

أقدم فيسبوك على التفريط في بعض موظفيه ليعملوا في حملة دونالد ترمب، ويساعدوه على استخدام هذه المنصة بشكل فعال، في مقابل صرف الأموال فيها، ولكن الأمريكيين كانوا مذهولين أيضا بأداء دونالد ترمب نفسه. وفي مذكرات داخلية ظهرت لاحقا، وصفت شركة فيسبوك حملة ترامب بأنها “مجددة” ويمكن التعلم منها. كما عرضت الشركة خدماتها على حملة هيلاري كلينتون، ولكن هذه الأخيرة فضلت الاعتماد على هذه الوسيلة بشكل أقل من ترامب.

لعبت الأدوات الرقمية دورا كبيرا جدا في التحولات السياسية حول العالم خلال السنوات القليلة الماضية، وكانت من بينها أحداث تركت النخب السياسية في حالة صدمة: على غرار تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومكاسب اليمين المتطرف في ألمانيا والمجر والسويد وبولندا وفرنسا وأماكن أخرى. كما ساعد فيسبوك الرئيس الفليبيني رودريغو دوترتي على تنفيذ استراتيجيته الانتخابية، وقد أشار تقرير للأمم المتحدة إلى منصة فيسبوك على أنها ساهمت في حملات التطهير العرقي ضد أقلية الروهينغا في ميانمار.

لكن شبكات التواصل الاجتماعي ليست التكنولوجيا الوحيدة التي كانت تدعم الديمقراطية قبل أن يتمكن المتطرفون والدكتاتوريون من الدخول إليها. إذ أن العملاء الروس الذين كانوا يبحثون عن طريقة لاختراق نظام الاتصالات بين مسؤولي الحزب الديمقراطي، استخدموا البيتكوين، وهي العملة الرقمية التي تأسست لتمكين الناس من الحفاظ على سرية هويتهم والتحرر من الاعتماد على المؤسسات المالية التقليدية، وقد استغل الروس هذه العملة لشراء بعض الشبكات الافتراضية الخاصة، التي تمكن مستخدميها من تعقب أشخاص آخرين على شبكة الإنترنت.

كما استخدموا هذه الوسائل لإنشاء مؤسسات إعلامية محلية تنشر أخبار كاذبة في كافة وسائل التواصل الاجتماعي في أنحاء الولايات المتحدة. وفي تلك المرحلة، بدأ الروس أيضا في نشر مواد إعلامية تهدف لتعميق حالة الاستقطاب الحاد، حيث تنكر هؤلاء العملاء الروس في هيئة مسلمين أمريكيين بميولات متطرفة، أو أشخاص من البيض العنصريين والمعارضين للهجرة. كما تظاهر هؤلاء بأنهم نشطاء في حملة Black Lives Matter التي كانت تهدف لفضح عنف الشرطة، ولعبوا أيضا دور أشخاص يرغبون في اقتناء مسدسات لإطلاق النار على عناصر الشرطة.

من خلال هذه الممارسات، لم يقم هؤلاء فقط بإذكاء نيران الانقسام، بل قدموا لكل منتم لأحد هذه الجماعات أدلة تعزز اعتقاده بأن خصومه سيئون مثلما يخيل له. هؤلاء العملاء قاموا أيضا بمهاجمة الصحفيين وأنصار كلينتون على شبكة الإنترنت بشكل متواصل، وهو ما نتج عنه تدفق سيل من الأخبار حول هذه المرشحة، تهدف لتعزيز الرواية التي تدعي وجود حالة انقسام داخلي في معسكر الحزب الديمقراطي.

5 – الدروس المستفادة من هذه المرحلة

كيف حدث كل هذا؟ كيف تحولت التكنولوجيات الرقمية من أداة لدعم المواطنين وإسقاط الدكتاتوريات، إلى أداة للاضطهاد والفتنة؟ هنالك العديد من الدروس الهامة التي يجب استخلاصها.

أولاً، يمكن القول إن تراجع دور الأطراف التقليدية المتحكمة في المعلومات (مثل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والأكاديمية والحكومات)، بالتزامن مع صعود الأطراف المستضعفة، أدى بشكل من الأشكال إلى الإضرار بحظوظ هذه الأطراف المستضعفة نفسها.

بات المعارضون الآن أكثر قدرة على تخطي الرقابة الحكومية، ولكن الفضاء العام الذين يمكنهم الوصول إليه، بات يتسم بالضوضاء وتكدس المعلومات وانتشار الارتباك، بشكل يمنعهم من إحداث أي تأثير. وأولئك الذين يأملون في إحداث تأثير إيجابي على المجتمع يتوجب عليهم بذل جهد كبير لإقناع الناس بأن هنالك شيئا في هذا العالم يجب أن يتغير، وبأن هنالك طريقة عقلانية وبناءة لتغييره.

في المقابل، فإن الطغاة والمتطرفين كل ما عليهم فعله هو نشر الضبابية والارتباك من أجل إضعاف حالة الثقة لدى الرأي العام، حتى يصاب الجميع بالحيرة والعجز عن الفعل. حيث أن المتحكمين التقليديين في تدفق المعلومات سابقا كانوا يحجبون الحقائق والمعارضة، ولكنهم كانوا في نفس الوقت يحجبون الكثير من المغالطات والتضليل.

so18-howarabspring-5

ثانياً، يبدو أن المتحكمين الجدد في تدفق المعلومات من خلال وضع الخوارزميات، ليسوا مجرد قنوات محايدة لنشر الحقائق والأكاذيب. هذه الأطراف تجني المال من خلال شد الناس إلى المواقع الإلكترونية والتطبيقات، ولذلك فإن مصالحهم تلتقي بشكل وثيق مع مصالح من ينشرون الإساءات والأكاذيب ويحاولون اللعب على تعصب الإنسان وميولاته. صحيح أن المتحكمين السابقين فشلوا من عدة نواحي، ولا شك في أن هذا الفشل ساهم في تعميق الشك وانعدام الثقة، ولكن المتحكمين الجدد أيضا نجحوا في تعميق هذا الشك، حتى يتواصل استخدام الناس لمواقعهم الإلكترونية.

ثالثاً، كانت خسائر المتحكمين السابقين فادحة بشكل خاص في الصحافة المحلية. فبينما نجحت كبرى الوسائل الإعلامية الأمريكية لحد الآن في التعايش مع التغيرات التي فرضتها شبكة الإنترنت، فإن هذه التغيرات دمرت الصحف المحلية، وأضرت بهذا القطاع في العديد من البلدان. وأفسح هذا مجالا خصبا لنشر الأخبار الكاذبة. كما أنه كان يعني تراجع العمل الصحفي الاستقصائي ومحاسبة من هم في السلطة، خاصة على المستوى المحلي. ومن غير المعروف ما إذا كان العملاء الروس الذين خلقوا وسائل إعلامية مزيفة لنشر الأخبار الكاذبة في أنحاء الولايات المتحدة بفهمون تعطش السكان لأخبارهم المحلية، أم أنهم اعتمدوا هذه الاستراتيجية بالصدفة.

ودون محاسبة ومراقبة المسؤولين المحليين، فإن الفساد سوف ينتشر ويتطور ليغذي موجة الفساد العالمي التي تلعب الآن دورا كبيرا في العديد من الأزمات السياسية حول العالم.

أما الدرس الرابع المستفاد، فيتعلق بظاهرة فقاعة الآراء، أو غرفة الصدى، أي أن المستخدمين على شبكة الإنترنت غالبا ما يقابلون فقط الآراء التي تشبه رأيهم. هذا الأمر ليس صحيحا تماما، فرغم أن الخوارزميات سوف تظهر للناس غالبا الأشياء التي يريدون سماعها، فإن الأبحاث أثبتت أن آراء متنوعة أيضاً ستعترضم على شبكة الإنترنت أكثر مما يتعرضون له في العالم الحقيقي أو قبل ظهور التكنولوجيا الرقمية.

عوضا عن ذلك، تكمن المشكلة في أننا عندما نقابل آراء مخالفة في سياق وعصر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الأمر ليس مثلما كان عليه عندما نقرأها في صحيفة ونحن جالسون بمفردنا. لقد بات الأمر مثل سماع تلك الآراء المخالفة من الفريق المنافس بينما نحن نجلس مع أصدقائنا في ملعب كرة قدم. في شبكة الإنترنت، نحن متصلون بجماعاتنا، ونسعى لكسب ود من يشبهوننا في التفكير. نحن نقيم روابط مع فريقنا من خلال الصراخ في وجه مشجعي الفريق المنافس. وبعبارات علم الاجتماع، فإننا نقوي شعورنا بالانتماء للمجموعة من خلال تعميق وحدة موقفنا تجاه من هم خارج الفريق، أي استخدام عبارة “نحن” في مقابل “هم”.

عالمنا الفكري ليس غرفة صدى تتردد فيها نفس الآراء، ولكن حياتنا الاجتماعية كذلك. ولهذا فإن عديد مشاريع التحقق من صحة المعلومات والأخبار، رغم أهميتها، لا تحصل على دعم الناس، الذين يشعرون بأن انتمائهم لمجموعتهم أهم من الحقيقة. وهنالك ديناميكية مماثلة لعبت دورا في أعقاب الربيع العربي. إذ أن نشطاء الثورات علقوا في صراعات داخلية على مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسموا إلى مجموعات أصغر، فيما كانت الأنظمة الدكتاتورية في نفس الوقت تجند كل أنصارها لمهاجمة المعارضين ووصفهم بالخونة والعملاء. هذه الدعايات الممنهجة للإساءة للمعارضين والتشكيك في وطنيتهم باتت أكثر انتشارا، وهي أكثر خطورة عليهم من الاضطهاد الذي تمارسه الحكومات.

هذه هي ذاتها الطريقة التي استخدمها العملاء الروس لتعميق حالة الاستقطاب في الولايات المتحدة، حيث كانوا يتخفون وراء حسابات مهاجرين أو متطرفين أو عنصريين من البيض، أو أنصار ترمب أو أنصار بيرني ساندرز. ولم يكن موضوع الجدال مهما، بل كان هؤلاء يبحثون فقط عن بث الانقسامات والعجز وليس إقناع الناس. وفي ظل غياب المتحكمين التقليديين في تدفق المعلومات، فإن رسائل هؤلاء وصلت لكل الناس، وبفضل أدوات التحليل الرقمي، تمكنوا من تصميم تلك الرسائل تماما مثل أي حملة إعلانية أو سياسية.

خامساً وأخيراً، قامت روسيا باستغلال ضعف الأمن الرقمي في الولايات المتحدة، وفكرة “لا أحد غيرنا يستطيع القيام بهذا”، وذلك من أجل التلاعب بالرأي العام في انتخابات 2016. وعلى سبيل المثال، فإن اختراق ونشر البريد الإلكتروني للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، ومحتوى بريد جون بودستا، مدير حملة هيلاري كلينتون، تطور ليصبح ما يشبه حملة التعتيم على باقي الأخبار، حيث أن هذا الموضوع أغرق وسائل الإعلام التقليدية بأخبار وتفاصيل لا قيمة لها، وفي ذلك الوقت طغت فضيحة البريد الإلكتروني لكلينتون على تدفق الأخبار، ولم تحصل حملتا كلينتون أو ترمب على ما تستحقانه من اهتمام الرأي العام.  

هذا يظهر في نهاية الأمر أن عقلية “لا أحد غيرنا يمكنه القيام بهذا” استندت إلى تحليل خاطئ لمفهوم الأمن الرقمي. ربما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أفضل القدرات الهجومية في مجال أمن الانترنت، ولكن بوديستا مدير حملة كلينتون وقع في فخ رسالة إلكترونية، تمثل واحدة من أبسط طرق القرصنة، والإعلام الأمريكي وقع بدوره في فخ الإهتمام المفرط بهذا الموضوع.

وجهت هذه المؤسسات الإعلامية من خلال جريها وراء المتابعين، وفشلها في فهم آليات عمل الفضاء الرقمي الجديد، اهتمامها نحو جدل عقيم بعيدا عن دورها الأساسي الذي يفترض أن تضطلع به. لا يتعلق أمن الإنترنت فقط بامتلاك أجهزة حاسوب خارقة وخبراء بالتشفير، بل أيضا فهم كيفية توجيه الرأي العام وتدفق المعلومات، والعمل على إقامة الروابط الإجتماعية في هذا العصر الرقمي. 

هذا المزيج الخطير يفسر بشكل واضح لماذا إثر ثورات الربيع العربي انتعشت الديكتاتورية والتضليل الإعلامي، عوضا عن التدفق الحر للأفكار المتنوعة. ربما يتلخص أبسط تعبير عن هذا الإشكال في العبارة التي تصف بها شركة فيسبوك دورها في الفضاء الرقمي (تم تغيير هذه العبارة في 2017 بعد تزايد الانتقادات ضد دورها في نشر الأخبار الكاذبة) حيث كانت تقول شركة فيسبوك إن دورها هو “جعل العالم أكثر انفتاحا واتصالا”. ولكن تبين أن هذا الأمر ليس كله خيراً، بل يجب طرح أسئلة من قبيل “منفتح على ماذا؟ ومتصل بماذا؟”، وهذه الحاجة لطرح الأسئلة ربما تكون أكبر درس نستخلصه. 

6 – الطريق نحو الأمام

ماذا يجب علينا أن نفعل؟ لا توجد إجابات سهلة والأهم من ذلك أنه لا توجد حلول رقمية بحتة. هنالك بالتأكيد خطوات يجب اتخاذها في هذا الجانب؛ يجب أولا وضع حد لحالة الغفلة لدى الرأي العام، التي مكنت عددا قليلا من الشركات العملاقة من احتكار العلم الرقمي. ولكن يجب الحذر من أن الاكتفاء بتدمير هذه الشركات العملاقة دون تغيير قواعد اللعبة على شبكة الإنترنت يمكن أن يؤدي بكل بساطة إلى ظهور شركة أخرى صغيرة تستخدم نفس التقنيات الفتاكة مثل التجسس على بيانات المستخدمين، والاستهداف الدقيق، والتحيل لجلب الإنتباه. 

يجب وضع حد أيضا لعمليات التجسس الرقمي التي تجري الآن في كافة المجالات. لا يوجد أي سبب مقنع يبرر السماح لعديد الشركات بتجميع البيانات حول الناس. ودعوة المستخدمين للضغط على زر الموافقة على بنود اتفاق غامض وصعب الاستيعاب لا يعني أن هذا المستخدم كان متطلعا وموافقا على كيفية استغلال بياناته. ولو أننا قبل عقدين أو ثلاثة من الدخول إلى هذا العالم الرقمي اكتشفنا أن شركة قامت بتجميع هذا الكم الهائل من البيانات من أجل تحقيق الربح المالي، لكنا أصبنا بالصدمة. 

هناك العديد من الطرق لتقديم البيانات الرقمية دون شفط البيانات الشخصية بهذا الشكل. فقد كانت الشركات المعلنة تعيش دون هذا الأمر في السابق ويمكنها العودة إلى نفس ذلك الأسلوب. كما يجب أيضا جعل هذا الأمر أكثر صعوبة على السياسيين، ويمكن على سبيل المثال جعل الدعايات مرتبطة بالمحتوى وليست موجهة بمفردها إلى المستخدمين. وسيكون من المقبول عرض إعلان حول معدات الغوص عندما أكون في صفحة دردشة حول رياضة الغوص، عوضا عن تعقب سلوك المواقع الأخرى لاكتشاف أنني غواص ثم ملاحقتي في كل مكان ومحاصرتي بالدعايات في شبكة الإنترنت وخارجها. 

نحن لم نصل إلى هذه الحال بسبب التكنولوجيات الرقمية. فالحكومة الروسية ربما تكون قد استخدمت منصات الإنترنت للتدخل عن بعد في الانتخابات الأمريكية، ولكن روسيا لم تخلق حالة غياب الثقة في المجتمع، والمؤسسات الضعيفة، والنخب المنفصلة عن الواقع، التي جعلت الولايات المتحدة عرضة لهذا التدخل.

so18-howarabspring-6

كما أن روسيا لم تدفع الولايات المتحدة وحلفائها للتورط في حرب في الشرق الأوسط ثم إدارتها بشكل سيء، حتى تترتب عنه أزمة اللاجئين حاليا، ثم لا تتم محاسبة أي شخص أو تحميله مسؤولية هذا الفشل. روسيا لم تصنع الإنهيار المالي في الأزمة المالية في 2008: فذلك حصل بسبب الممارسات الفاسدة التي اعتمدتها المؤسسات المالية لتحقيق الثراء، وفي النهاية خرجت كل هذه الأطراف من الأزمة دون محاسبة، رغم أنها مذنبة، بل خرجت أكثر ثراءا فيما خسر ملايين الأمريكيين وظائفهم وعجزوا عن إيجاد وظائف بديلة.

روسيا أيضا لم تقم بالتحريض للقيام بأشياء تقوض ثقة الأمريكيين في مؤسسة الرعاية الصحية، ووكالات حماية البيئة، وبقية المؤسسات الحكومية. روسيا لم تخلق الباب الخلفي بين الكونغرس ولوبيات الشركات التي كانت توظف سياسيين سابقين بمرتبات مغرية. روسيا لم تقم بتمويل التعليم الجامعي في الولايات المتحدة. روسيا لم تخلق الشبكة العالمية من الملاذات الضريبية، التي تستغلها الشركات الكبرى والأثرياء لتكديس ثروات ضخمة فيما يتم قطع الخدمات الحكومية الأساسية عن المواطنين.

هذه هي الأخطاء الفادحة التي يمكن لبعض الدعاية على شبكة الإنترنت تقييمها، وهذه الدعاية لا تأتي فقط من روسيا، ومهما كانت الأمور التي فعلها الروس، فإن أطرافا داخلية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية كانت أكثر تعطشا واستعدادا لاستغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر المغالطات والأكاذيب.

حتى فكرة تقديم خدمات الإنترنت مجانا، التي تروج لها المنصات الرقمية منذ وقت طويل، فيمكن اعتبارها علامة على مشكل آخر وهو أن الأقوياء يتمتعون بحرية التصرف بينما تتعرض الأغلبية الباقية للعديد من الضغوط. ومن الواضح اليوم أن المرتبات والأجور في الولايات المتحدة وأوروبا ظلت كما هي لسنوات طويلة فيما ازدادت أرباح الشركات كثيرا، واستفادت أيضا من خفض الضرائب عن الأثرياء. وفي ظل هذا الوضع يضطر الشباب للجمع بين أكثر من وظيفة، وقبول وظائف غير مناسبة لهم، ورغم ذلك يجدون صعوبة في جمع المال من أجل امتلاك بيت، إلا إذا كانوا ينحدرون من عائلة غنية.

إذا كان الإتصال الرقمي قد خلق الشرارة، فإن سبب اندلاع النيران هو هذه المشاكل المنتشرة في كل مكان. والطريق نحو الأمام لا يبدأ من خلال الشعور بالحنين إلى العالم القديم والأطراف التقليدية التي كانت متحكمة في المعلومات، أو رفع الشعارات المثالية للربيع العربي. بل إن الطريق يتمثل في فهم كيفية عمل مؤسساتنا وآليات المراقبة والمحاسبة ووسائل حماية المجتمع في القرن الـ21، ليس فقط في مجال التكنولوجيا الرقمية بل أيضا في السياسة والإقتصاد بشكل عام. وهذه المسؤولية لا تقع على عاتق روسيا، أو فقط على شركة فيسبوك وجوجل وتويتر، بل كلنا نتحمل المسؤولية.

هذه المادة كتبتها زينب توفكجي، ونشرت في  MIT TechnologyReview وترجمها فريق اسطرلاب إلى العربية.