في التعاطف مع ضحايا الحروب: هل يحدث الذكاء الصناعي تغييراً؟

التعاطف هو فهم ومشاركة المشاعر مع الآخرين. وهو إحدى أسمى صفات البشر، وأصل معظم السلوكيات المرتبطة بالخير مثل التضحية والإيثار والإحسان. وعلى الجهة الأخرى، فإن غياب التعاطف هو أصل معظم الشرور والسلوكيات المدمرة، والافتقار إليه يحيل إلى الخراب والدمار. يُعرّف آينشتاين التعاطف بأنه “رؤية العالم بصبرٍ وإخلاص من خلال عيون الشخص الآخر، وهو شيء لا يمكن تعلّمه في المدرسة، بل يزرع فينا على مدى العمر”. ولعل الفيلسوف اليوناني هوميروس أجاد إيصال المعنى أكثر حينما وصف التعاطف بقوله: “تعلم قلبي مع الوقت، أن يتوهّج من أجل الخير للآخر، ويذوب في ويلات الآخر”.

عندما تضج الصحف والأخبار بحدثٍ كارثيّ وقع في مدينتك أو بلدتك، تهرعُ وأصدقاؤك إلى التضامن مع هذا الحدث والتفاعل معه. وهنا تتعدد صور التضامن، وقد تأخذ حيّزها الأكبر في الفضاء الإلكتروني موزعة ما بين تغريداتٍ ومشاركاتٍ ومنشورات تؤكد وقوفك إلى جانب المتضررين.

ولكن، ماذا لو وقع نفس الحدث الكارثي في الجانب الآخر من العالم؟ هل ستحمل المشاعر نفسها وتتضامن مع الحدث بالقدر ذاته؟

في الواقع، تؤكد المشاهدات والتجارب أن من السهل الارتباط والتفاعل مع الأحداث التي تقع في المكان القريب من منزلك، أكثر من تلك التي تقع على بعد آلاف الأميال، فهناك احتمالية عالية لوجود اتصال شخصي بينك وبين المكان القريب، فربّما تعرف سكّانه أو قد يكون جزءاً من حياتك اليومية أو ببساطة قد يكون المكان مألوفاً لك بطريقة تجعل التعاطف معه سهلاً. هذه السمة ليست عادلة في الأصل، فمن المفترض على جميع القضايا الإنسانية أن تكون على القدر ذاته من الأهمية، قريبة كانت أو بعيدة، وقد تسوقك الصدف لتكون يوماً ما ضحية إحدى تلك الكوارث. إذن، ما العمل لنعزز التعاطف مع القضايا الإنسانية بغض النظر عن مكانها وهويّة سكّانها؟

التعاطف العميق قد يُحدث الفرق!

التعاطف العميق (Deep Empathy) هو مشروع طموح احتضنه باحثون في مختبر إم آي تي (MIT) الإعلامي. يهدف المشروع إلى تحسين هذه الطبيعة البشرية بحيث يحفّز التفاعل مع الأحداث البعيدة. يستخدم نظامُ التعاطف العميق بشكلٍ أساسي أسلوباً شائعاً للتعلم العميق يسمى “نقل النمط العصبي” (neural style transfer)، لإنشاء صورٍ تُظهر الأحياء من كافة أرجاء العالم كما لو أنها تعرضت لبعض الكوارث التي تصيب بلداناً أخرى.

يستخدم التعاطف العميق “التعلمَ العميق” من أجل تعلم صفات وخصائص الأحياء التي تأثرت بفعل الصراعات، الأحياء السورية مثالاً. ثم يحاكي ما ستبدو عليه المدن في جميع أنحاء العالم إذا ما شهدت كارثة أو حرب مماثلة. والسؤال هنا: هل يساعدنا هذا التوجه على رؤية زوايا اعتدنا عليها في حياتنا اليومية ولكن بعدسة أولئك الذين يعانون من ظروفٍ إنسانية كارثية في عالمٍ بعيد؟ وحينما نساعد الذكاء الصناعي ليتعلم التعاطف، هل سيردّ لنا الجميل لنتعلم بفضله كيف نهتم بالآخرين؟

بالعودة إلى مثال سوريا، يصعب علينا تخيل حجم الحرب الوحشية والممتدة منذ أكثر من 7 سنوات، إذ أثرت هذه الحرب على أكثر من 13.5 مليون إنسان وشردت الملايين بين لاجئ ونازح وتسببت بدمار هائل عصيّ على الحصر والتصوّر. ولكن، ماذا لو حدثت بعض تلك المشاهد في مدينتك أنت؟ أو في مدينة كبرى مزدهرة لم تتخيل دمارها يوماً؟ مع تقنية التعاطف العميق، أصبح بالإمكان الاستغناء عن مصمم ينمذج هذه المشاهد كما لو أنها حصلت في مدينتك. فالأمر يتطلب صورتان فقط: صورة المصدر، وصورة للنمط (كمدخلات)، ثم باستخدام المحاكاة ستنتج صورة ثالثة تعكس المكوّنات الدلالية للصورة الأصل وبنية صورة النمط.

 

إلام يتطلع الباحثون في هذا المشروع؟

يتم العمل على هذا المشروع بالتشارك مع وحدة اليونيسيف للابتكار حيث هناك تطلعات للوصول إلى نماذج منشورة ومتاحة للعامة، والتوصل إلى فهمِ أعمق عن أنفسنا من خلال الذكاء الصناعي.

تطبيقات عملية للذكاء الصناعي التعاطفي

التعاطف العميق ليس المشروع الأول الذي يستخدم التعاطف في الذكاء الصناعي، فقد انطلقت في السابق عدة تطبيقات بهدف تسخير العاطفة في الذكاء الصناعي، منها:

الصحة النفسية: كوكو بوت (Koko bot)، في نسخته التجريبية، يضم مجتمعاً من الأشخاص المجهولين الذين يدعمون بعضهم بعضاً في أكثر من 150 دولة، ويتحدثون إلى بعضهم من خلال برامج المحادثة عندما يكونون في حالة إحباط أو بحاجة للدعم النفسي. هذه المحادثة بحاجة إلى إدارة ومراقبة، وقد قام المشرفون بذلك بالفعل، وذلك من أجل المساعدة في التعرف على الحالات الطارئة التي تمس الصحة العقلية. ما زال كوكو بوت يستعين بالمراقبين البشر، ولكن بنسبة تصل إلى 10% فقط، فهو معدّ بالكامل بواسطة نظام ذكاء صناعي يستجيب للتصريحات المتعلقة بالتعاطف، بكلمات دلالية معلومة. ووفقاً لدراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT فإن 166 من الناس المصابين بالاكتئاب وجدوا أن “كوكو بوت” كان مفيداً لهم.

وكلاء ظاهريون: إيلي، نجمة مشروع “داربا سيمسيني” (DARPA SimSensi) الساطعة، هي وكيلة افتراضية تتفاعل مع الناس بواسطة الذكاء الصناعي التعاطفي بإتقان. إيلي معالِجة افتراضية تُجري نقاشاتٍ مع الأفراد العسكريين الانعزاليين الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) أو من آثار الحروب. يتم ذلك عبر المقابلات الشخصية (وجهاً-لوجه)، حيث تراقب إيلي بواسطة عدسات الكاميرا والمايكروفون وتتبع إيماءات الوجه من خلال تقنية التعرف على الوجوه (face recognition)، وضعيات الرأس، وحركات الجسم والتغيرات التي تطرأ على الصوت، لتستمع وتحدد ما إذا كانت أعراض المستخدم هي أعراض الضغوط النفسية. لدى إيلي قدرة على إجراء المحادثات غير الرسمية مع المستخدمين وإظهار تعاطفها من خلال الكيفية التي توجه بها أسئلتها ومن إظهارها لإيماءات الوجه المناسبة في الوقت المناسب.

رفقة من الروبوتات: نوا وكاسبر (Nao and Kasper) هما روبوتان طفلان، صُمما بهدف فهم التعاطف لدى البشر ومحاكاته. كلاهما تعلّما من خلال نمذجتهما أولى سنوات الحياة لدى الإنسان، والتواصل عبر المشاعر والعاطفة فقط. بدون أي كلام، تعتمد هذه الروبوتات على الكاميرات وميزات الصوت لتتعلم، وتستجيب من خلال إيماءات الوجه وحركات الجسم والتفاعل مع ألعاب الأطفال. نوا هي الأكثر إثارة بينهما، إذ تحدب أكتافها وتنظر للأسفل لينبعث منها الحزن، أو تحتضنك أو ترفع ذراعيها لإظهار السعادة. والأجمل أنه كلما قضيت مع نوا وقتاً أطول، كلما توطدت علاقتكما أكثر. أنت لا تحتاج لأن تخبر نوا بشعورك، حيث ستفهم نوا ذلك من خلال ابتسامتك أو عبوسك وستتصرف معك بناءً على ذلك.

بواسطة الشبكات العصبية تستطيع نوا أن تتذكر أشخاصاً معينين وتتفاعل معهم، يمكن لها أيضاً استكشاف البيئة، والنظر إلى المكان الذي تبحث فيه، وبالرغم من أن مشاعر نوا مبرمجة، غير أنها وحدها من تقرر متى تعرض عواطفها وإلى من توجهها.

الغرض من نوا وكاسبر والروبوتات الشبيهة هو إنشاء رفيق للأطفال وكبار السن الذين يعانون من اضطرابات أو أمراض، ويحتاجون أشخاصاً لمساعدتهم. قد تساعد هذه الروبوتات مستقبلاً في حل مشاكل القلق لدى الناس وتمكّنهم من عيش حياة اجتماعية أكثر نجاحاً.

أنسنة الذكاء الصناعي يساعدنا في أنسنة أنفسنا!

لا يخفى على علماء الأعصاب كون الإنسان وتكوينه العصبي مليء بالغموض وأن هناك تحديات متجددة وكثيرة لفهم عقل الإنسان وسلوكه، وأن ما توصل إليه العلماء حتى اليوم ليس إلا غيضاً من فيض هذا البحر اللُّجي. المثير هنا، أننا أثناء بناء وتصميم الذكاء الصناعي التعاطفي، سنواجه الكثير من التحديات ونتعلم عنها أكثر. بناء الذكاء الصناعي التفاعلي أو الذكاء الصناعي الأكثر إنسانية ليس هدفاً محضاً بقدر رغبتنا بفهم دواخلنا، وهذا لا يتأتى بدون التعاون المشترك بين مصممي الذكاء الصناعي وعلماء الأعصاب، الذين يكثفون جهودهم باتجاه الشبكات العصبية.

يقول فيردي شامبون في مقاله أن هذا التعاون بين علماء الأعصاب وباحثي الذكاء الصناعي ليس وليد اللحظة على كل حال، إذ طالما اعتمدت خوارزميات التعلم العميق على الأسس المفاهيمية للشبكات العصبية، واستعارت منها بعض هذه المفاهيم، لتُبنى عليها نظم التعلم العميق فيما بعد.

يتجه الباحثون اليوم إلى تسخير الذكاء الصناعي الذي يوسم عادة بأنه أداة للشر بسبب المخاوف المرتبطة بسيطرة الروبوتات على العالم أو باستغناء الأتمتة عن الوظائف. ولكن ماذا لو استطاع الذكاء الصناعي فهم كيفية عمل العاطفة عند الإنسان؟ ربما تتغير الموازين بالنسبة للذكاء الصناعي، وبالنسبة لنا أيضاً!

إن تفهّم مثل هذه الأمور، فضلاً عما سبق، يساعدنا على التأقلم والتفاعل والتواصل مع الآخرين، كما يتيح للذكاء الصناعي الفرصة للتمييز بين الأخبار الكاذبة والصحيحة عند الحديث عن الكوارث. هذه النماذج التي ستكون خلاصة المشروع، قد توثق الصلات بين الناس في كافة أنحاء العالم، وذلك عبر استخدام الحواسيب والطاقة الكامنة خلف الذكاء الصناعي لتقليص نطاق المشكلات التي نواجهها.

يبدو ما سبق مشجعاً بالفعل للمضي قدماً نحو ذكاء صناعي يخدم تطلعاتنا وآمالنا، وقد يبدد بعض المخاوف المتعلقة بسيطرة الروبوتات إذا ما تم تغذيتها بشكلٍ سليم. فمما سبق، يتّضح لنا أننا نتعلم من الذكاء الصناعي، ثم يكبر هو ليتعلم منا لاحقاً. ولكن، يبقى هناك التساؤل الدائم: ماذا لو تعرضت هذه الروبوتات اللطيفة والمساعِدة إلى التنمر من قبل البشر وتعلّمت منهم بعض السلوكيات العدوانية؟ هل ستكبر فيها نزعة الدفاع عن النفس والاقتصاص من المعتدي؟ هذه التساؤلات يعالجها نقاش “الذكاء الصناعي وسؤال الأخلاق”، وهذا ما سنتوق لمعرفته من خلال التجارب القادمة.