بين الترفيه والعمل.. كيف حولك فيسبوك لموظف لديه ومن غير راتب؟

منذ عدة قرون، ومع بداية تعقيد الأوضاع الاقتصادية والسياسية للدول وزيادة عدد البشر حول العالم، أصبحت الموارد في كل شيء محدودة ومُسعّرة بشكل يتوائم من متغيرات قانون العرض والطلب كما هو الحال في أغلب ما نحصل عليه من منتجات وخدمات في حياتنا اليومية.

وعلى الصعيد الرقمي، أصبح رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتعرضون لكم هائل من الإعلانات لمنتجات وخدمات بناء على تفضيلاتهم وأنشطتهم الرقمية والتي يتم تحليلها بعناية شديدة حتى يتم عمل دعاية تستهدف كل شخص بأفضل وسيلة ممكنة من أجل ضمان قيامه بشراء المنتج أو الحصول على الخدمة. وتعتبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ مثل فيسبوك البيئة الخصبة لتلك العملية لكثرة مستخدميها النشطين بشكل يومي والذين أصبحوا مع الوقت عرضة للكثير من الحملات الإعلانية خلال اليوم حتى لو لم يدركوا ذلك.

ولفهم أفضل لتلك العملية نأخذ العملاق الأزرق، فيسبوك، كمثال يمكن أن نشرح به ما يحدث بالفعل، وكيف تمكن ذلك الموقع من النجاح بهذا الشكل وفي وقت قياسي ليصبح أكبر وأضخم منصة تجمع البشرية في فضاء الإنترنت عن طريق خلق حالة جديدة يمكن أن نطلق عليها حالة “العمل الترفيهي” Playbour وهو ما سوف نوضحه لاحقاً.

كم تكلفة حسابك على فيسبوك؟

الخطوة الأولى التي يجب أن نقوم بها لفهم ما يحدث هو؛ كم ستكون تكلفة فتح حساب على فيسبوك إن قُدّرت الخدمة مقابل المال؟ وأيًا كانت إجابتك، فاعلم أنك قد أجبت على سؤال منقوص أو خاطئ، لأن تحديد سعر الخدمة لا يعني بالضرورة تحديد البائع والمشتري، فمن هو البائع ومن المشتري؟ أي من سيدفع التكلفة لمن؟ تدفع أنت لفيسبوك مقابل ما تأخذه من خدمة فتح حساب على المنصة واستخدامها للتواصل مع عائلتك وأصدقائك والتفاعل معهم ورؤية صورهم وتتبُّع تحركاتكم؛ أم فيسبوك، كشركة، يجب أن تدفع لك نظير تسليعها لك ولأنشطتك على المنصة وبيعها في صورة بيانات مُرتبة ومُحللة للمعلنين المختلفين.

تلك الأسئلة تساعدنا على فهم النموذج الاقتصادي الجديد الذي قام به فيسبوك في مجال الاعلانات، ففي السابق؛ كان هناك المُعلِن والمتعرضين للإعلانات، أما عصر ما بعد فيسبوك، أصبح الموقع الأزرق نفسه يقوم بدور الوساطة بين الطرفين، حيث يقدم المستخدمين على طبق من ذهب للمُعلنين في صورة بيانات وعمليات تحليلية وتصنيفية شديدة التعقيد، تُمكن المُعلن من استهداف الجمهور المناسب بشكل أكثر دقة من الاعتماد على إعلانات التليفزيون أو الراديو. فالنموذج القديم أصبح عشوائيًا مقارنة بما يفعله فيسبوك، فشركة لمستحضرات التجميل الخاصة بالسيدات تعرض إعلانها على التلفاز في وقت تشاهده فيه نسبة من السيدات بالفعل، لكن نسبة أخرى من الرجال والأطفال وكبار السن، وهم ما لن يهتموا بالإعلان كلية!

أما على فيسبوك، أصبحت نفس الشركة تستفيد بالإعلان عند وصوله للسيدات فقط من شريحة عمرية محددة ولهم اهتمامات تم استهدافها، وهو ما يحقق استهدافًا أفضل، وبالتالي مبيعات أفضل.

الخدعة: وقت الترفيه ووقت العمل.. الأمران يستويان!

تمكن فيسبوك من تحقيق تلك الوساطة عن طريق استخدام حيلة في غاية الذكاء، وهي جعل وقت العمل هو وقت الترفيه في آن واحد، أي أنه يجعل ما هو ترفيهيًا بالنسبة لك، إنتاجيًا بالنسبة له. فوقت العمل في العادة يرتبط بمصطلحات كالجهد والتعب والضيق والضغط والمهام. أما الترفيه، فارتباطه يكون بالمتعة والسعادة والضحك واللعب. وهنا تأتي الخدعة التي قام بها الموقع.

يقوم الموقع بالاعتماد بشكل كلي على أوقات الترفيه لدى المستخدمين، وتحويلها لإنتاج يعمل عليه ليكون منتجاً يبيعه للمعلنين، فما تكتبه أنت من أجل “البوح” وما تشاركه من صور ونكات من أجل الضحك وما تشاركه من أماكن لمطاعم ومزارات وحدائق من أجل تقييمها أو حتى من أجل تعريف أصدقائك بها وبتحركاتك في الكرة الأرضية، وما تكتبه من تعليقات عند أصدقائك بغرض المناقشة أو “الدردشة” والضحك أو الاستهزاء أو حتى السب. كل ذلك يتحول إلى معلومات، والمعلومات تعني بيانات، ومن يملك البيانات ويملك القدرة على تحليلها بشكل سليم، يمكنه الاستفادة منها بصور كثيرة، أول تلك الصور هي كسب المال، وآخرها تحريك الرأي العام في قضايا معينة.

إذن، فما تفعله أنت بغرض الترفيه على فيسبوك تحوّل إلى وظيفة تنجزها كل يوم، وهي عبارة عن “مُدخِل البيانات” بدون أي مقابل، لذلك، أصبح العنصر الأهم الذي يحتاجه فيسبوك من أجل كسب المال، هو عنصر يأتي بدون رواتب للموظفين في الحقيقة، وهو ما يجعل مكاسب الموقع خيالية في أوقات قياسية.

خلاصة القول، أنت تعمل لدى فيسبوك “كمدخل بيانات” بدوام جزئي كل يوم، ولو كنت من مدمنيه وزاد استخدامك عن 8 ساعات يوميًا، فدوامك أصبح كليًا لدى الشركة، بياناتك والتي تمثل ما تقوله عن نفسك وما تتفاعل معه وما تعجب به وما تشاركه وحتى النقاشات التي تخلقها بين أصدقاءك، كلها تعني المال للشركة. وحتى لو كنتَ ممن لا يتفاعلون إطلاقًا، فقط تتصفح الموقع بدون أي تفاعل مع أي منشور، فأنت كذلك معرض لحملة إعلانية تستهدف البلد الذي تسكن فيه، أو الشريحة العملية التي تنتمي لها أو حتى مجرد استهداف اللغة التي تستخدمها على الموقع. وكونك مجرد مشاهد لبعض الإعلانات، هذا أيضًا يعني المال لفيسبوك، الكثير من المال في الحقيقة. وإذا تم تقدير الأمر بالمال، فتأكد أنك تستحق راتب كبير من فيسبوك على وظيفة تؤديها كل يوم بدون أي وعي منك!