كيف تحرر منصتك الإعلامية من قيود زوكربيرغ؟

يبدو المشهد الإعلامي اليوم، الرقمي منه تحديداً، مزدحماً للغاية؛ بحيث تجد وسائل الإعلام المختلفة صعوبة في تمييز أنفسها وسط حيزٍ ينظر فيه الجميع إلى منافسيهم ويقلدونهم -وإن كان التقليد ظاهرياً فقط-، وهو ما يمكن ملاحظته خاصة بعد التحول المفاجئ والعالمي وعلى مستوى جميع أنواع وسائل الإعلام نحو الفيديو، البث المباشر لفيسبوك، تقنيات الواقع الافتراضي وغيره من أساليب عرض الخبر المتشابهة جداً في شكلها ونوعها وحتى لغتها وطبيعة مضامينها.

ويزداد الأمر تعقيداً خاصة بعد توجه منصات التواصل الاجتماعي، الساحة الأساسية للمحتوى الرقمي لوسائل الإعلام، نحو فرض قيود جديدة، تمليها بشكلٍ أساسي الرأسمالية متمثلة بالرغبة في زيادة الأرباح، فضائح الاختراق في الانتخابات خاصة في حالة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وفضيحة “كامبردج أناليتيكا” وغيرها.

يغير فيسبوك خوارزميته كل ستة أشهر أو نحو ذلك. ولكن أحدث تغيير كان له تأثير مباشر على الواجهة الرئيسية “News Feed”، لذلك كان هناك الكثير من القلق – حتى الذعر بين وسائل الإعلام التي ظلت لسنوات طويلة تتخذ من الفيسبوك ساحة أساسية لجلب القراء/ المشاهدين والتفاعل.

في هذه التدوينة، نحاول طرح “مشكلة” التفاعل التي تشكو منها وسائل إعلامية مختلفة مؤخراً، ونعرض لسياسات فيسبوك ورؤيته بهذا الخصوص، وننقل نصائح ذوي خبرة عملوا في مؤسسات عريقة في مجال المحتوى الرقمي حول وصول الناشرين لتفاعل حقيقي ذو مدى طويل وتأثير أعمق من التأثير الآني لـ”اللايك والشير والسبسكرايب”.

الوصول والأرقام والتفاعل

لعل من الثابت والمشترك لدى كافة المنصات الإعلامية هو سعيها للوصول إلى تفاعلٍ مرضٍ مع ما تنشره، وكأن “التفاعل” أصبح “الكأس المقدسة” الجديدة لوسائل الإعلام الرقمية، لكن ماذا لو كنت ناشرًا ناشئاً أو مؤسسة محلية صغيرة تحاول مواكبة الشركات الكبيرة، بل ومحاولة التنافس على السرعة في نقل الأخبار العاجلة. إليك نصيحة من إسرا دورامجي، المحرر الرئيس في قسم الديجتال في قناة DW: لن تنجح. فبحسب دورامجي، تلك الشركات أكبر، وهي في الميدان منذ وقت أطول، ولديها موارد أكثر منك، وستفوقك في كل مرة ما لم تلعب لعبتها حتى النهاية. لكن ضآلة القدرة على المنافسة مع المنصات الكبرى لا تعني الاستسلام، تضيف دورامجي؛ فبإلقاء نظرة على “+AJ” أو “BuzzFeed” مثلاً، يمكنك ملاحظة أن العاملين فيهما لا يحاولون أن يكونوا كل شيء لكل الناس، وهنا تبرز أهمية استقاء البيانات من الجمهور وتحليل التغذية الراجعة والتحلي بالشجاعة الكافية للتغيير بالسياسة التحريرية وفقاً لمعطيات هذه البيانات وتقديم محتوى بناء عليها.

إذ يبدو ببساطة، أن جزءاً كبيراً من الحل يكمن في التعامل مع التحليلات. وهذا يعني فهم الأرقام لفهم الجمهور، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن نوع المحتوى الذي يتم إنتاجه، وبالتالي جذب التفاعل. دورامجي ترى أن سر نجاح المنصات المتخصصة وغير العريقة، من أمثال “+AJ” أو “BuzzFeed”، يتمثل بأنهم يعرفون من هو جمهورهم – ما هي الفئة العمرية الديموغرافية التي ينتمون إليها، والمنصة التي يشاهدون المحتوى منها، وما هي أوقات اليوم والأيام أو الأسابيع التي يكون المستخدمون فيها في ذروة نشاطهم عليها، وتحديدًا بالضبط نوع المحتوى الذي يبحثون عنه، ثم يقدمون هذا المحتوى على منصة محددة. هذا لا يعني لك كصحفي أن تقوم بتمييع المحتوى الذي تعده، أو أن تركز على “مصائد النقرات” (المواد الخفيفة التي يتم إعدادها للمعرفة المسبقة بأنها ستلقى عدداً من المشاهدات لمحتواها الجنسي مثلاً)، بل يعني أن تسعى لتجاوز فكرة “التفاعل” مع قرائك، وتتعمق في فهمهم وتلبية احتياجاتهم الإخبارية بحيث تصل لعلاقة تتسم بما يمكن وصفه بـ”الارتباط” أو “الولاء”، في هذا النوع من العلاقة قد يبدو التفاعل بشكله الظاهري “الإعجاب والمشاركة” أقل من ناحية الأرقام، لكنه سيقدم نتائج خطية أكثر ثباتاً على المدى البعيد.

وفي ندوة رعتها “شبكة المحررين الدولية“، شارك فيها 4 مسؤولين عن الإعلام الرقمي في وسائل عريقة، أجمع المشاركون على أهمية دراسة التغذية الراجعة واستخدام أدوات تحليل البيانات المختلفة في الوصول إلى تفاعلٍ مرضِ، وأتت أبرز النقاط المطروحة في الندوة كالتالي:

  • كي تحقق تفاعلاً مع جمهورك، من الضروري أن تعرف بدقة من هو جمهورك؟ ومن هنا تبرز أهمية البيانات وتحليلها.
  • لتحديد ماهية “التفاعل”، وكيف يمكن قياسه، هناك عوامل عدة يجب أخذها بالحسبان، منها البلد المستهدف، وطبيعة المنصة نفسها التي يراد قياس التفاعل معها، وغيرها.
  • استخدام الفيديو المباشر من قلب الحدث، أو استخدام منصات التواصل المختلفة لبث فيديوهات مباشرة أكثر يظهر فيها صحفيو المنصة ومراسلوها، وكذلك تشجيع ظاهرة المواطن الصحفي ساهم في بلدان مختلفة، منها الهند على سبيل المثال، في الوصول إلى تفاعل أكبر من المستخدمين.
  • منصات ضحد الأخبار الكاذبة، مثل المنصة التابعة لـBuzzFeed، أثبتت قدرتها على جلب تفاعل كبير مع القصص التي يتم تكذيبها، وفي جلب مصداقية للمنصة الأصلية التي تقدم نفسها كرقيب ومدقق إخباري ومصدر يمكن الوثوق به، (BuzzFeed في هذه الحالة).

وفي مقابلة خاصة مع دورامجي، أجرتها فريا ناشر لصالح شبكة المحررين الدولية، قدمت دورامجي خلاصة تجربتها مع بي بي سي سابقاً، وبعدها DW كالتالي:

  • قد تبدو أشياء مثل المشاهدات، والوصول، والنقرات، ومرات الظهور مثيرة للإعجاب في مجملها ولكن نتائجها تبدو سطحية للغاية. إنها ليست مقاييس قابلة للتنفيذ – بمعنى أننا لا نستطيع استخدامها حقًا لإدخالها في استراتيجية التحرير أو المحتوى. الأشياء التي يجب الانتباه إليها هي الوقت الذي يستغرقه المستخدم في قراءة المواد ومعدل الاستبقاء ووقت المشاهدة. على الصحفي أن ينظر إلى أبعد من الشكليات وأن يراقب كيفية استهلاك المحتوى الخاص به ومشاركته.
  • هناك عدد من الأدوات الممتازة المتاحة لك لمعرفة جمهورك والاستماع إليه. هناك مثلاً منصة  Spike by Newswhip و Parse.ly و Crowdtangle من Facebook. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع المنصات الاجتماعية الأساسية -يوتيوب، تويتر وفيسبوك – لها منصات تحليلات خاصة بها (مجانية). ما يجدر على الصحفي أن يقوم به مع هذه الأدوات هو البحث عن الأنماط: هل ترى شهرًا واحدًا ارتفعت فيه القراءات والمشاهدات والمشاركات؟ إذا كان كذلك فعليك أن تبحث بشكل أعمق عن ما كان وراء هذا الارتفاع؟ هل كانت قصة إخبارية عاجلة أم شيء آخر؟ ما هو الشكل الذي كان عليه – صورة، فيديو، نص، أو غيره؟
  • كنت أنظر إلى بعض حسابات تويتر التابعة للأمم المتحدة على سبيل المثال – فهي تنتج محتوى جيدًا بشكل عام، ولكنها تنشر بشكل متكرر بحيث يقل تفاعل الجمهور. إذا كان بإمكانهم تقليل ما يفعلونه كمًا، يمكنهم استخدام هذا الوقت والموارد الإضافية لزيادة الجودة أو يمكنهم البدء في الاستثمار في مشاريع رقمية أخرى مستقبلية. إذا كنت تعمل رقميًا، فيجب عليك دائمًا قضاء بعض الوقت في التخطيط للخطوات الكبيرة التالية. يجب أن يكون الابتكار، وكذلك الجمهور ، في صميم كل ما تفعله.
  • لتحقيق زيادة ملحوظة في تفاعل الجمهور مع المحتوى، على المنصات الإعلامية البدء بالتركيز على العنصر النسائي وإعطائه مساحته للظهور في المحتوى، ليس من ناحية المضمون فقط، إنما من ناحية بصرية ومنطق العرض والصور البارزة وغيره، لبي بي سي النسخة الفيتنامية تجربة ملحوظة في هذا الأمر، حيث أن تركيز محرريها على إنتاج مواد ذات طابع نسوي وهوية أنثوية ساهم في إحداث نقلة نوعية من ناحية التفاعل ونقل قناتهم على يوتيوب لتصبح رابع أكثر قناة من قنوات بي بي سي مشاهدة على يوتيوب من بين ٢٠ قناة أخرى.

“التفاعل” في ظل سياسات فيسبوك الجديدة

في ظل سياسة النشر الجديدة التي أعلن عنها فيسبوك، والتي نتج عنها تقليل المحتوى الإخباري في الصفحات الرئيسية للمستخدمين إلى نحو 20% فقط، يحظى بحصة الأسد منها المؤسسات الإعلامية العريقة ذات العدد الأكبر من المتابعين والمشاهدات، فإن حالة من التخبط سادت الوسط الإعلامي. ووسط هذه الحالة، هناك من يؤكد أن منصة فيسبوك ما زالت مهمة، فهي المكان حيث يشكل الناس رؤيتهم حول العالم، ومنهم رئيس تحرير الصحيفة السويدية Dagens Nyheter، مارتن جونسون، الذي أضاف: بالطبع يجب علينا أن نتواجد على منصة فيسبوك وأن نفهم مستخدميها، فهي “منصة حقيقية لإرشاد الناس على المحتوى الإعلامي”، وهذا كله يستلزم جهداً صحفياً يبدأ من غرفة تحرير الأخبار.

أما مارك زوكربيرغ، فهو يقول إنه على الرغم من انخفاض حصة الأخبار بنسبة 20% في الصفحة الرئيسية، إلا أنه قام بتثبيت حصة الناشرين المحليين ذوي الحجم الصغير والمتوسط ، معلناً أنه بالإضافة إلى الصفحة الرئيسية، فإنه يعمل أيضًا على إضافة أقسام جديدة خاصة بالأخبار المحلية مثل قسم “Today In”. وعدا عن ذلك، اختتم فيسبوك، في يونيو برنامج “مسرع الاشتراك في الأخبار المحلية” الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، حيث جمع بين متدربين من 14 صحيفة محلية تمثل سلسلة من أبرز الصحف الكبيرة في البلاد، لتدريبهم على أفضل الأساليب لجذب القراء أصحاب الاشتراكات المدفوعة، وهناك حصل المشاركون على تدريب من خبراء لوضع هذه الأساليب موضع التنفيذ، بالإضافة إلى منحة مالية من فيسبوك بلغت قيمتها الإجمالية 3 ملايين دولار أمريكي للصحف الـ14.

وبالنسبة للمشاركين، فإن فوائد البرنامج التدريبي من فيسبوك شملت اكتساب خبرة في مجال اجتذاب المشتركين، تكوين شبكة علاقات مع نظرائهم من المؤسسات الإخبارية الأخرى والحصول على منحة لمتابعة مبادرة جذب الاشتراكات المدفوعة، أما بالنسبة للمنحة المالية، فمن المخطط استثمارها بتقنيات الذكاء الاصطناعي لجلب المزيد من المستخدمين نحو الصحيفة وحثهم على الاشتراك.

المفارقة في هذا كله، بحسب مقال على موقع مجلة “Digiday” المتخصصة بالإعلام الرقمي، هي أن بروز نجم الفيسبوك والمنصات الشبيهة، هو ما أوصل وسائل الإعلام الرقمية اليوم للحال الذي تستجدي فيه رضا المنصات، خاصة فيسبوك، كي تحظى بالقليل من الوصول للجمهور، وعلى الرغم من تعهد الفيسبوك في وقت سابق من هذا العام بمساعدة وسائل الإعلام المحلية، أظهر تحليل لـ” Columbia Journalism Review” أن التفاعل الذي يحصل عليه العديد من الناشرين المحليين قد انخفض بالفعل منذ ذلك الحين.

في الختام، وعوضاً عن الانشغال بالقلق من الخوارزميات ومحاولة تجاوزها، خاصة أنها قابلة للتغيير كل 6 أشهر تقريباً، فلعل أبرز نصيحة يمكن توجيهها للمذيعين وغيرهم، كما سبق وأكدت دورامجي، هو التركيز على جمهورهم، فـ”إذا كنت تقدم محتوى جيدًا وتلقى تفاعلًا جيدًا، فلن تتأثر بأي تغيير في الخوارزمية”.