الصحافة في عصر البيانات الضخمة (1)

عندما نتحدث عن البيانات الضخمة، فنحن نتحدث عما يدخل ضمن وحدة القياس إكسابايت (exabyte) وأعلى، والتي تعادل الوحدة منها مليار جيجابايت أو مليون تيرابايب، ومن هنا يمكن تخيل أن ما نتحدث عنه يفوق قدرة ليس فقط البشر على التحليل والمعالجة، ولكن كذلك معظم الحواسيب والنظم التقليدية، فوحدها الأنظمة المتخصصة بمعالجة البيانات الضخمة هي ما يمكن أن تحلل هذه الكمية المهولة من المعطيات والأرقام وتحولها لصورتها الأخيرة التي تمكننا من الاستفادة منها.

وعندما يتعلق الأمر بالصحافة، فالإثارة ذاتها كما تبدو في بقية المجالات التي وجدت الـ Big Data طريقها إليها، مثل الصحة والتعليم والأحوال الجوية والأنشطة التجارية والقطاع الحكومي وغير ذلك.

تكمن حساسية الموقف عندما نتحدث عن علاقة البيانات الضخمة بالصحافة، بخطورة محتملة عند تجميع هذا الكم الهائل من البيانات قادر عبر استخدامه إعلامياً، من التحكم بالرأي العام، كما كشفت عنه فضيحة “كامبريدج أناليتيكا”، وهي الشركة التي الوسيطة التي أتاحت لها فيسبوك إمكانية الوصول لبيانات مهولة لملايين المستخدمين، ما مكنها عقب فرزها وتحليلها من معرفة توجهاتهم السياسية والفكرية ومحاولة التأثير عليها وتوجيهها في الانتخابات الأمريكية 2016.

لكن إذا تجاوزنا هذه الفضيحة، وفي ظل غياب الدراسات الموسعة حتى الآن حول الأدوار المحتملة للبيانات الضخمة في الصناعة الصحفية، يمكن الحديث عن بعض الأدوار التي بدأت بعض المؤسسات الصحفية بممارستها بالفعل، وعلى رأس تلك الأدوار:

تخصيص المحتوى وتحسين تجربة المستخدم

تراقب الخوارزميات سلوك المسخدم عبر المنصة طوال الوقت وتسجل كل حركة لأصبعه أو للمؤشر، إنها كمية مهولة أخرى من المعلومات التي تجمعها وسائل الإعلام بدون شعورنا.
تتعلم الخوارزميات من المستخدم أي الأخبار والقصص تستهويه ويهتم لها، وأيها لا، أيها يتفاعل معها وأيها يلقي عليها نظرة خاطفة، وتلك التي لا يعبئ لها.
أي أساليب العناوين تجذبه، أي التصنيفات يتابع، هل يقرأ الخبر كاملاً أو يكفي بملخص؟ هل يشاهد الفيديو كاملاً، وهل يقلب ألبوم الصور؟ هل يضغط على الروابط؟ ماذا بشأن الإعلانات؟

الآن بعد أن تقوم الخوارزميات بجمع وفرز وتحليل تلك البيانات، باتت جاهزة لتقدم للمستخدم ما تتوقع أنه يريده تحديداً، تبعاً لاختياراته السابقة ولاهتماماته طيلة فترة التعلم.

خلق صحافة روبوتية

“صحافة لا تمسها الأيدي”، تضطلع بها الخوارزميات؛ بدءاً من عملية جميع البيانات مروراً بفرزها وتحليلها، وانتهاءً بتقديمها على صورة قصص يسردها روبوت مدرب بعد أن أحال إلى العطالة عدداً من المحررين البشريين البلداء الذين بالكاد ينتج الواحد منها بضعة قصص في اليوم، فيما ينتج هذا الآلي المئات منها بلا تأفف!
لا يكتفي الروبوت بسردد القصص التي بناها مما يجمع من بيانات، بل يستطيع التفاعل مع القارئ، أو لنقل مع ملايين القراء بالتزامن. وهو يستطيع بفضل الذكاء الصناعي ليس فقط تلبية حاجهم للمعرفة والمعلومات والأخبار، ولكن أيضاً يفعل ذلك بطريقة تفاعلية مؤثرة.

زيادة الإيرادات

لا يوجد ذكاء صناعي بدون بيانات ضخمة، وتوفير هذه الأخيرة عن مسخدمي المنصة الإعلامية وقرائها وعاداتهم الانقرائية وسلوكهم كمستخدمين من لحظة فتح المنصة (تطبيق أو موقع إلكتروني) إلى لحظة خروجهم، وتفضيلاتهم وما أثار اهتمامهم وما نفروا منه، ثم الإحاطة بكل ذلك وتحليله وتقديم خلاصة عنه؛ يساعد صناع القرار على اتخاذ الخطوة التالية نحو صناعة ولاء الجمهور وزيادة الوقت الذي يمضيه على المنصة، من خلال تحسين تجربة المستخدم وتطوير الواجهة إلى النحو الذي يستهوي القراء ويدفعهم للبقاء أكثر والقراءة أكثر، وبالطبع النقر على الإعلانات واتخاذ إجراءات أخرى كالاشتراك أو شراء منتج ما.

زيادة الإيرادات المدعومة من الذكاء الصناعي يمكن أن تنعكس على اسقلالية الصحافة، فوسيلة إعلام تمول ذاتها وتحافظ على ولاء قرائها وتزيد نسبة مشتركيها أو مرتاديها، قادرة على التماسك أمام عواصف الضغط أكثر من تلك التي تعتمد على تمويل الحكومات أو رجال الأعمال النافذين.

إذن، فنحن لا نتحدث عما بات يُعرف بصحافة البيانات، والتي تركز على إعادة تقديم الأرقام والإحصائيات بصرياً عبر أشكال وخرائط وإنفوجرافيك وجداول وغيرها، وبالتالي البيانات بحجمها الصغير والتي يمكن للصحفيين الأفراد أو الأطقم الصغير التعامل معه بسهولة، بل نتحدث عن عالم مختلف، يسود فيه الروبوت والخوارزميات والذكاء الصناعي، ويتفرج فيها الأفراد مكتوفي الأيدي تقريباً!

على أن صحافة البيانات هذه سشهد طفرة مذهلة مع دخولها عالم البيانات الضخمة.

في المقالة المقبلة من هذه السلسلة، سنتناول -بحول الله- نماذج فعلية استخدمت فيها وسائل إعلام مرموقة “البيانات الضخمة” في تغطيتها الصحفية.