لماذا يمكن للصحافة المحلية أن تصنع الفرق؟

حطت طائرتي في وقت متأخر من الليل في مدينة نيودلهي، ضمن أول زيارة لي إلى الهند، ولذلك كنت لا أزال أترنح من التعب في السادسة صباحاً، عندما اندلعت أصوات صراخ بالقرب من النافذة، جعلتني أستفيق في حالة من الذعر.

وبسبب خوفي من أن مكروها حدث، قفزت خارج السرير وركضت نحو الغرفة المجاورة لغرفة الضيوف التي كنت أجلس فيها. هنالك رأيت رجلاً يقف بجانب الموقد، ابتسم بكل هدوء وهو يقلب بيضة في المقلاة. بعد ذلك توقف صوت الصراخ وحل مكانه صوت ضجيج، بدأ يتضاءل ويبدو كصوت عربة تتحرك مبتعدة في الطريق. وبعد ساعات، شرح لي أحدهم أن ذلك الصراخ كان لبائع خضار يعلن عن المنتجات التي جلبها في ذلك اليوم.

وإلى غاية اليوم، عندما أعيد سرد تلك الحكاية، أركز أولا على الشيء الذي كنت متأكدة من حدوثه: وهو أن شخصا ما يصرخ. هذا الأمر كان ثابتاً، ولكن فهمي لتلك الوضعية (اعتقادي بأن ذلك الصراخ علامة على أن مكروها بصدد الحدوث)، كان خاطئاً. وبهذا فإنه من الممكن أن تكون المعلومة صحيحة، ولكنها ليست حقيقية.

كان يمكن أن أعيد سرد تجربتي بدقة كبيرة، ولكنني لم أكن أمثّل جامع معلومات موثوق به، باعتبار أنني لم أكن أفهم السياق المحلي. إذ أنه في ثقافتي، يعد سماع الصراخ في الصباح الباكر علامة خطر. لقد استخدمت هذا المعطى الثقافي كمعيار للحقيقة، معتبرة أن بائع الخضار يمكن أن يكون شخصاً عنيفاً.

في مجلة معهد الصحافة العالمي، نسمي هذا “فجوة الموثوقية”.

عندما تقوم ثقافة ما بتحديد معايير الحقيقة (وتطبق تلك المعايير بقطع النظر عن المكان)، فإن الروايات التي تجلبها تلك الثقافة من أماكن أخرى ستكون على الأرجح مشوهة.

هذا ينطبق بشكل خاص على التقارير والبحوث الصحفية، التي تسيطر عليها بشكل واسع المجموعات الإعلامية الغربية، والوكالات الدولية الكبرى التي تجمع وتحلل البيانات بناء على المعايير الغربية. ومن الطبيعي أن الشخص الذي يجمع المعلومات يقوم بتحليل البيانات بناء على تجاربه الشخصية.

هذا سبب يفسر لماذا كل مراسل في مجلة معهد الصحافة العالمي ينحدر من المجتمع المحلي الذي يكتب عنه: إذ أنه عندما تتحدث اللغة المحلية وتفهم العادات المحلية، فإن المعلومات التي تجمعها يتم تقييمها بطريقة ملائمة ثقافياً.

وتعد بيانات انتشار الفقر نقطة خلاف شائعة بالنسبة لمراسلي معهد الصحافة العالمي. إذ أنه بحسب البنك الدولي، فإن 36% من الكينيين يعيشون على أقل من 1.90 دولار يومياً. ولكن مراسلي معهد الصحافة العالمي الموجودين هنالك في كينيا، يعلمون أنه في بعض المناطق يمتلك بعض الفلاحين الميسورين مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، ويديرون قطعان ضخمة من الماشية.

هؤلاء يأكلون ما يزرعونه ولا ينفقون حتى دولاراً واحداً في أغلب الأيام. ولذلك فإن أحد مراسلينا في كينيا تساءل ذات مرة: “هل يمكن أن نسمي هؤلاء فقراء؟” وتقدم بيانات انتشار الفقر في البنك الدولي رواية تتجاهل الحياة الكريمة التي يعيشها الناس في مجتمعات نادراً ما تعتمد الأموال النقدية.

في بعض الحالات، فإن المعلومات التي يجمعها باحثون وصحفيون غير موثوقين، يتم استخدامها في رسم السياسات الدولية الكبرى. وفي وقت سابق من هذا العام، نقلت وكالات غوث اللاجئين أن الناس من جمهورية الكونغو الديمقراطية كانوا بصدد النزوح عبر بحيرة نحو أوغندا، هروبا من العنف السياسي، وهو سيناريو يؤهلهم ليحلوا بصفة رسمية على صفة لاجئين. هذه المعلومات تناقلتها عديد المحطات الإخبارية الكبرى.

ولكن واحد من مراسلينا الكونغوليين، وهو متواجد في مكان غير بعيد عن مسرح الأحداث، أخبرنا بأن العنف المندلع لا علاقة له بالسياسة، بل هو نابع من نزاع قديم حول أراضي رعي الماشية.

هذه الرواية التي روج لها المسؤولون عن اللاجئين، بأن الكونغوليين كانوا فارين من العنف السياسي، كانت مقنعة. فهي تتناسب تماماً مع أشياء أخرى يفترضها الناس في الدول الغربية حول جمهورية الكونغو الديمقراطية، من بينها أن هذا البلد يعاني من انتشار العنف، وأن أغلب فئات الشعب يعيشون حياة يائسة.

ولم يخطر ببال هؤلاء المسؤولين أن الكونغوليين الذين تدفقوا نحو أوغندا كانوا يعيشون في جزء معزول من جمهورية الكونغو الديمقراطية، في منطقة نائية قرب الحدود الشرقية، بعيداً عن المناطق الحضرية، ومنعزلة تماما عن المشاغل السياسية التي تؤدي أحياناً لاندلاع العنف في أرجاء أخرى من البلاد.

ولكن رغم ذلك، فإن الروايات التي نسجت حول ذلك الحدث، اعتبرت أن الحقيقة هي أن هؤلاء الناس كانوا مستهدفين بهجمات ذات دوافع سياسية.

هذا السيناريو يمكن أن يضمن لشخص ما مكاناً بصفته لاجئا في بلد آخر.

هذا النوع من المعلومات السائدة يستند إلى نظام منطقي يتسامح مع التناقضات من أجل الحفاظ على الوضع القائم.

وبالنسبة للعديد من وكالات الأنباء ومراكز البحوث، فإن عملية جمع البيانات ينجم عنها تناقض متواصل بين الافتراضات الغربية والثقافات غير الغربية. وبينما يجعل هذا الواقع الحقيقة أقل سهولة في الظهور، فإن له فوائد كبيرة لمن يبحثون عن هذه الحقيقة في سياقها: وذلك من خلال خوض نقاش بنّاء، بين أطراف متكافئين، قادرين على خلق أنظمة للمساعدة على تحديد الحقيقة.

في مجلة معهد الصحافة العالمي، نحن نعتقد أنه من الصعب (إن لم يكن مستحيلاً) التأكد من الحقيقة دون التواصل مع السكان المحليين. كل قصة ننشرها يرويها لنا شخص محلي. كل قصة تتضمن مصادر تكون أقرب ما يمكن من الوضعيات الموصوفة. والمراسلون يحصلون على الدعم من فريق تحرير قوي يكرس جهوده لضمان صحة المعلومات.

وإليكم هذا المثال الحديث: مارفاي كافيرا لونغيهي، هي مراسلة أخرى لمجلة معهد الصحافة العالمي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نشرت قصة حول فصيل استولى على قرية وهو يقوم الآن بفرض إتاوة على الناس الذين يدخلون إليها أو يغادرونها، والذين يعملون في حقولهم. وقد قدمت مارفاي تفاصيل دقيقة، وصلت إلى حد ذكر مبلغ الإتاوة المفروض (1000 فرنك كونغولي، أي حوالي 62 سنتاً لدخول القرية).

هذه القرية المسماة ميريكي، غير موجودة على خرائط جوجل. فكيف يمكن لنا تأكيد وجودها؟ وهذا الفصيل المسلح ما كان ليوافق على إجراء مقابلة صحفية لتأكيد قيمة الإتاوة.

إذا كيف تمكن الفريق من التأكد من المعلومة؟ قامت مجموعات حقوقية دولية بتأكيد وجود هذه القرية وتحديد موقعها، وذكر باحثون متخصصون في شؤون جمهورية الكونغو الديمقراطية أن المجموعات المسلحة تقوم دائماً بالسيطرة على بعض القرى في تلك المنطقة، وقد قامت مراسلتنا مارفاي شخصياً بعدّ المنازل المهجورة لتأكيد أن بعض العائلات غادرت القرية.

وماذا عن تلك الإتاوة؟ أكدت مارفاي شخصياً أن قيمتها كانت 1000 فرنك كونغولي، بعد أن أجبرت هي نفسها على دفعها. وقد كانت عملية تحرير هذه القصة بمثابة حوار إيجابي بين أعضاء الفريق (يوظف معهد الصحافة العالمي أشخاص متخصصين في التأكد من الحقائق، محررين، مترجمين وباحثين يعملون على كل قصة ننشرها). وبهذه الطريقة، عرضنا مختلف وجهات النظر.

كل شخص طرح أسئلة متنوعة وبحث عن الأجوبة بعدة طرق. وفي النهاية فإن أكثر المعلومات تعقيداً كان ممكنا تأكيدها فقط من جهة مارفاي، الشخص الموجود على عين المكان. وكان النتيجة هي تقرير مثبت بنسبة 100%.

نحن نعتقد أن مستقبل نجاح مهنة نقل الأخبار يرتبط بوكالات الأنباء التي ستلتزم بردم “فجوة الموثوقية”، ونحن في الطليعة نسير نحو هذا الهدف.

هذه المقالة كتبتها Krista Kapralos وهي محررة في معهد الصحافة العالمي، ونشرت أولاً في “نيمان ريبورتس” وترجمها فريق اسطرلاب.