الصحافة المخصصة.. نشرتك كما تحب!

​​منذ فترة طويلة، وبإمكان الأفراد الحصول على منتجات وفق أهوائهم، بالطبع في البداية وحتى عهد قريب كان هذا التخصيص محصوراً على السلع الملموسة، كما يذكر الاستشاري الإداري، مايك هوبان، في مقالٍ له عن تخصيص المحتوى الإخباري، ثم جاء عصر الويب والمعلومات الرقمية، الذي بدأت أولى خطواته نحو التخصيص بأدوات مثل Bookmarks و”المفضلة” التي أتاحت الوصول لمواقع الويب التي نقوم بزيارتها بشكل متكرر بلمسة واحدة، وبعدها أصبحت خدمة RSS متاحة بحيث تم دفع المعلومات إلينا بدلا من الاضطرار إلى طلبها.

نحصل الآن على أخبارنا وقت حدوثها، حسب الطلب، ومصممة خصيصًا لتلائم اهتماماتنا، عبر منصات متعددة، دون معرفة كم تم تخصيص هذه الأخبار في الواقع. شركات التكنولوجيا مثل جوجل وفيسبوك، وليس غرف الأخبار التقليدية، هي التي بدأت بهذا التوجه التحريري. إلا أن المؤسسات الإخبارية تراهن بشكل متزايد على أن تقديم محتوى مخصص يمكن أن يساعدها في جذب الجماهير إلى مواقعها، والاحتفاظ بهم قراء دائمين.

في تقريرٍ نشره مختبر “نيمان “الصحفي بعنوان “قوة التخصيص“، تقول أدريان لافرانس إن التخصيص الإخباري يمتد  إلى أبعد من كيف وأين تلتقي المؤسسات الإخبارية بقرائها. حالياً، يمكن لمستخدمي الهواتف الذكية تفعيل أو إلغاء الإشعارات الخاصة بالمواضيع والأقسام الإخبارية المختلفة للوصول إلى الأخبار التي تهمهم أكثر. على فيسبوك مثلاً، يمكن للمستخدمين أن يقرروا – إلى حد ما – أية مؤسسات إعلامية يرغبون في ظهورها في صفحتهم الرئيسية، من خلال الإعجاب بالصفحة الخاصة بالمؤسسة. وفي الوقت نفسه، ستلعب  الأجهزة والبرمجيات التي تستخدم التعلم الآلي وتقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرف على مستخدميها دورًا متزايدًا في تشكيل منتجات الأخبار فائقة الخصوصية. كما يتوقع أن تساهم المساعدات الصوتية الذكية، مثل Google Home و Amazon Echo، بإعادة تعريف العلاقة بين مستهلكي الأخبار والأخبار.

أمثلة

مع خدمة أخبار Apple News، يمكن للمستخدمين تحديد المنصات الإخبارية والموضوعات التي يهتمون برؤيتها بشكل أكبر، مع اقتراحات تقدمها Siri لتساعد الخوارزمية في فهم تفضيلاتك، فسيري الآن لديها المساعدة من متصفح سفاري، إذ يتاح للمساعد الصوتي لآبل  الاطلاع على سجل المتصفح والتدقيق به واقتراح مواد إخبارية استنادًا إلى تاريخ البحث للمستخدم. وعلى الرغم من هذه الجهود، ما نزال واجهة “خصص لك” في آبل غير قابلة للتحكم بها من قبل المستخدم بشكل كامل، نظرًا لأن آبل تواصل تسليط الضوء فيها على العواجل وأهم الأخبار اليومية التي يختارها محرر التطبيق، والقصص الشائعة لدى المستخدمين الآخرين جنبًا إلى جنب مع تلك التي تم تنظيمها خصيصًا لك.

وبالمثل، مع آخر تحديث قامت به جوجل لخدمتها الإخبارية Google News، يمكن للقراء فحص العناوين الرئيسية الثابتة وتخصيص القوائم الجانبية على الصفحة حسب اهتماماتهم الأساسية وموقعهم – وبالطبع البحث، ما يجعل الخدمة تبدو “أكثر إخبارية” من أي وقت مضى، حيث هناك أيضًا مكان يمكنك فيه برمجة اهتماماتك الخاصة مسبقًا في الخوارزمية. في مايو 2017، اختبرت جوجل بشكل موجز مرشح بحث مخصص يبحث به مستخدم جوجل أو جيميل عن بيانات تخصه استقتها جوجل عنه من رسائل البريد الإلكتروني والصور والتقويم والبيانات الشخصية الأخرى المرتبطة بطلب البحث. من المفترض أن علامة التبويب “الشخصية” كانت “مجرد تجربة” ، كما قال أحد المتحدثين باسم Google ، وتمت إزالة الخيار مؤقتًا، ولكن يبدو أنه عاد وظهر لدى العديد من المستخدمين اعتبارًا من أغسطس الماضي.

مخاطر

وعلى الرغم من أن التخصيص قد يفيد المستخدم في معرفة الأخبار التي تهمه وسط التدفق اليومي والهائل للأخبار، إلا أن هناك الكثير من المخاطر التي قد يثيرها حصر الناس في دائرة إخبارية معلوماتية ضيقة تحبسهم في نطاق الأفكار التي يؤمنون بها أصلاً، دون أن تسنح لهم الفرصة لمعرفة الأخبار على الضفة الأخرى، لتكوين مواقف سياسية وأخلاقية ومجتمعية أكثر توازناً وحكمة. فإذا كانت أجهزة الذكاء الاصطناعي قد حللت ميولك السياسية، وواصلت تغذيتك بأخبار توافق أهواءك، فإن احتمال تبنيك لرأي مختلف يغدو أقل وأصعب.

لكن التخصيص بحد ذاته لا يمكن أن يكون شيئاً سيئاً، إذ تختلف نتائجه باختلاف أهداف المنصة التي ترعاه، فبينما تشترك الشركات التكنولوجية والمؤسسات الإخبارية باستخدام خوارزميات تصفية المعلومات كأساس لجهود التخصيص، فإن الصحفيين والتقنيين يتعاملون مع بيئة تصفية المعلومات هذه بطرق مختلفة جوهريًا. فبينما تخصص المؤسسات الإخبارية واجهتها بمعلومات حقيقية ومحررة صحفياً، أملاً في أن تصل لجمهور أكثر ارتباطاً بها، تعمد   شركات التكنولوجيا مثل جوجل و فيسبوك إلى مشاركة معلومات تُعلي فيها قيمة التفاعل على قيمة الموثوقية.

صحيح أن هناك من يجادل أن “الخوارزميات هي محرر المستقبل”، لكن يمكننا أن لا ننسى أيضاً أن هناك من يدعو لاستخدام متوازن للقدرات التكنولوجية تتكافل فيه بذكاء مع الجهد البشري التحريري. تامار تشارني، المحررة الإدارية في التطبيق الإخباري المخصص NPR One على سبيل المثال،  ناقشت سياسة متبعة لديهم بالتطبيق، يظهر فيها بالواجهة لدى المستخدم نوعان من الأخبار؛ أخبار خصصت وفق اهتماماته، تكون كثافة ظهورها أعلى، وأخبار تمثل أهم ما حدث بالعالم في تلك الساعة ويؤمن المحررون بالتطبيق أن قارئهم قد لا يرغب في أن تفوته، حتى وإن لم تكن في دائرة اهتماماته التي اختارها.

في أسطرلاب، نقوم بمهمة شبيهة، ولعلها أكثر دقة وصرامة، فبينما يمتلك مستخدم التطبيق القدرة على متابعة أقسام بعينها (عربي، دولي، سوق المال، منوعات، الخ.)، نوفر له أيضاً القدرة على تخصيص التنبيهات التي تصله، كذلك تنقسم الواجهة الرئيسية إلى صفحتين؛ صفحة “اختياراتي” وصفحة “اختيار المحررين”، يتم ترتيب الأولى فيها بناء على أحدث الأخبار الواردة من الأقسام التي اختار المستخدم متابعتها، أما في الصفحة الثانية، فيقوم محررو التطبيق بجهد صحفي ويدوي يعمل على ترتيب أخبار من كافة الأقسام وفق حداثتها وأهميتها وتنوعها، وبذلك يمكن للمستخدم أن يتابع الأخبار التي تهمه فقط وبذات الوقت أن يبقى على اطلاع على أهم مستجدات العالم. عدا عن ذلك كله، فالتخصيص في أسطرلاب يخطط له أن يتجاوز الأقسام ليشمل متابعة الموضوعات، من مثل: “محادثات أستانة، محمد صلاح، عصر ترمب، تطبيع، الخ)، كذلك متابعة كُتّاب بعينهم.

وفي حين يمنحنا العالم الرقمي الكثير من الفرص للتفاعل عبر الإنترنت، فإن التحدي أمام المنصة الإعلامية يكمن في “إضفاء الطابع الإنساني” على جمهورها، وهو ما يعني تذكر التوجه لهم ومخاطبتهم كأشخاص لا كأجهزة. وفي أحدث اجتماع للمختبر الصحفي التنفيذي التابع لمجلة “آد ويك” الأمريكية، نوه المجتمعون من مشاكل الاعتماد فقط على البيانات الرقمية التي تجمعها الخوارزميات لتخصيص المحتوى الإخباري، ناصحين منتجي الأخبار بـ”الخروج من إطار الشاشة” لتحقيق اتصال بشري مع عملائهم، بحيث تكون الرسائل المخصصة الموجهة للمستخدم “مبنية على فهم ما يحبه الناس، وما الذي يحركهم ويحفزهم”.

في الوقت الحالي، تعتمد المنصات الإعلامية في الغالب على اختيار جمهور موادها بناء على قراءاتهم واهتماماتهم السابقة، لكن تقنية الذكاء الاصطناعي توفر إمكانات للتخصيص تتجاوز قدرات البيانات الضخمة وحدها، كما تقترح آلانا رادر بتدوينتها حول الصحافة المربحة والاستفادة من مزايا التخصيص الإخباري،  فتقنيات الذكاء الاصطناعي، وفق رادر، لا تساعد فقط على إبراز القصص التي كان من السهل فهرستها سابقًا للحصول على محتوى فريد عالي الجودة، ولكنها ستساعد أيضًا على الكشف عن نية الجمهور والاتجاهات بل وحتى التنبؤ بها، ولعل هذا مؤشر آخر على أن الصحفيين، وبالنظر إلى دور التخصيص في مستقبل الصحافة، ينبغي عليهم البدء في تطبيق التقنيات الناشئة على الفور على قصصهم والسعي أكثر وأكثر للولوج في عالم الذكاء الاصطناعي والصحافة الذكية.