أنسنة الصحافة من خلال الواقع الافتراضي

يوماً بيوم، تزداد كثافة الأخبار ويزداد كذلك تكرارها ونفور الناس منها، خاصة أن معظمها يدور حول مآسي العالم وخرابه في زمن تتعزز فيه قيم الفردانية أكثر، ما قد يحفز جماهير الأخبار على الانصراف عنها. ويمثل هذا الجفاء المتزايد بين الجمهور والأخبار دافعاً لدى الوسائل الإعلامية والصحفيين لإيجاد قالبٍ جديد، يستطيع فيه الناس أن يتماهوا مع الأحداث، وأن يشعروا بشعور من يخوضها، كأنهم هم أبطالها. ومع صحافة الواقع الافتراضي، بدأت منصات إعلامية كبيرة تجد ضالتها، وأصبح أمام صحفييها – على الرغم من صعوبة العملية تقنياً والعوائق المختلفة أمامها- قالب جديد يساعد على أنسنة قصصهم الإخبارية أكثر.

وباعتبارها قالباً تقنياً جديداً لنقل الأخبار والقصص، فإن صحافة الواقع الافتراضي تستلزم وجود ثقافة جديدة من السرد الإخباري، تجعلها أكثر جودة وأقدر على التأثير بإيجابية على حياة الناس، وتعكس إمكانياتها وقدراتها في توسيع مدارك المتلقي وتقوية الرابط العاطفي بينه وبين القصة؛ إذ ينضوي انتقال الجمهور من “قراءة الخبر” إلى “معايشة الخبر” على منحهم شعوراً بالوحدة المزدوجة التي تمكن المشاركة الفعالة والبعد عن التلقي السلبي، وتوسيع المنظور، وزيادة الارتباط العاطفي مع القصة بشكل غالبًا ما يشجع المتلقي على البحث عن مزيد من المعلومات وسياق القصة الإخبارية التي عاشها بفضل تقنية الواقع الافتراضي.

نماذج صحفية

خلال السنوات الخمس الأخيرة، بدأت المؤسسات الإعلامية العريقة في إعارة الاهتمام لكون الواقع الافتراضي يمتلك إمكانيات أكبر من حصرها في الألعاب والسينما، وبدأت تفكر في استغلاله في إنتاج قصص إخبارية واقعية تستند على قصص حقيقية ويتم سردها بطريقة تشبه بأكبر قدر ممكن تفاصيلها الحقيقية، بعيداً عن توظيف الدراما والمؤثرات البصرية، خاصة في حالة القصص التي لا يتوافر الصحفيون على مواد مصورة لها، لغياب كاميرا توثق الحدث في حينه.

ومن الأمثلة على ذلك، قيام صحيفة واشنطن بوست الأمريكية باستخدام الواقع الافتراضي لإعادة سرد قصة مقتل الشاب الأفريقي الأمريكي، فريدي جراي، أثناء احتجازه من قبل الشرطة رغم تسببهم له بجراح خطيرة أدت لدخوله في غيبوبة قبل وفاته. ولتحقيق غرضها، استخدمت الصحيفة مواد صورية وصوتية ونصية وخرائط ثلاثية الأبعاد، مستعينة بسجلات المحكمة وما أدلى به الشهود على الحادثة، الأمر الذي مكن المشاهد من الإحساس بالآلام وخطورة الجريمة التي أدت لمقتل جراي، بشكل أكثر فعالية وقوة من مجرد سرد نصي للواقعة.

الصحفية الأمريكية نوني دي لا بينيا أيضاً، كانت من أوائل الرياديين في عالم الصحافة، والذين تحدوا النظرة التشكيكية والمثبطة لهم من زملائهم في المجال، وقامت بإنتاج أول مادة صحفية لها باستخدام الواقع الافتراضي في 2012 عن الجوع في الولايات المتحدة. ونظراً للنجاح الذي حققته هذه القصة، والتي اعتبرت في حينها نقلة كبيرة وتطوراً في عالم الصحافة، اقترح عليها رئيس منتدى الاقتصاد العالمي أن تقوم بإنتاج قصة عن سوريا، ظهرت فيها طفلة تغني في حلب قبل أن يتم قصف الحي الذي تقف فيه. “لا بينيا” وصفت في مقابلة معها التفاعل الكبير للمشاهدين مع ضحايا القصص التي روتها، وكيف أن الكثيرين منهم كانوا يشرعون بالبكاء فور أن ينزعوا نظارات الواقع الافتراضي عن أعينهم، معبّرين عن أنهم لم يتخيلوا قط أن الوضع بهذه القسوة.

وتذكر شبكة المحررين العالمية كذلك، استخداماً آخر شديد الذكاء والابتكار، لفلاتر الواقع الافتراضي التي توفرها منصة سناب شات، من قبل صحفي هندي يدعى يوسف عمر، يعمل في صحيفة هندستان تايمز، احتال فيه على القوانين الهندية لتغطية قضية بالغة الأهمية في مجتمعه. ففي الهند، تكثر قصص التحرش والاعتداء الجنسي، ما يستدعي إثارة الموضوع صحفياً، لكن القانون يحظر أن يتم التعرّف على ضحايا الاعتداءات الجنسية، فكيف سيتم الحديث باسمهم إن لم يظهروا أبداً؟ توفر فلاتر سناب شات – ومنها ما يحول المستخدم إلى قطة، كلب، أو حتى تنين ينفث النار- إمكانية التمويه على الهوية الحقيقية للمستخدم، وبالمقابل تحافظ على قدرته على إنشاء تواصل بصري مع الصحفي الذي يجري معه المقابلة. هذا الاستخدام للواقع الافتراضي ساهم أكثر في تحريك المياه الراكدة لملف شائك وخطير مثل ملف الاعتداءات الجنسية، وأعطى منصة آمنة للعديد من الضحايا اللواتي كن يخشين على أنفسهن من عواقب كشف تعرضهن لاعتداء جنسي بشكل علني، إذ وحدهن يقررن أي فلتر يردن استخدامه، وبهذا يكنّ أكثر ثقة من أن حتى الصحفي نفسه لا يملك مواد مصورة تكشف هوياتهن الحقيقية.

مسؤوليات الصحفيين

وفي مدونة “صحافة 360“، يقول روبرت هرناندز إن لدى الصحفيين مجموعة جديدة من التحديات والمسؤوليات عند قيامهم بتحويل القصص الإخبارية إلى قصص مُعاشة. إذ على الرغم من تقدم التكنولوجيا بشكل كبير، فإن صحافة الواقع الافتراضي ما تزال تواجه الكثير من المجاهيل والأسئلة المجتمعية والأخلاقية وحتى الصحية، فمهما بدت شيقة فكرة جعل المستخدم يعيش القصة الصحفية، فإنه يترتب عليها نتائج قد تكون موازية لمعايشتها بشكل حقيقي، بما قد تجلبه من صدمات وأزمات نفسية، فالقصة الافتراضية ليست مجرد مادة إخبارية، إنها تجربة نفسية كاملة يخوضها المستخدم، ويقع على عاتق الصحفي تصميمها بأكثر الدرجات حقيقية وإتقاناً وأماناً. كما تتطلب سلسلة المعضلات التي يواجهها الصحفيون باستخدامهم لهذه التكنولوجيا، إعادة النظر في دور المشاهد السلبي، ليصبحوا رواة قصص أكثر نشاطًا، وليقوموا بخلق هذه التجارب المؤثرة بشكل أكثر أخلاقية ودقة.

وإحدى الأمثلة العملية على الإشكاليات التي قد يخلقها التجسيد الافتراضي، بحسب دراسة أنثربولوجية أعدها مختبر جوجل الصحفي في صيف 2017، هي قصة “القتال حول الفلوجة” التي أعدتها صحيفة نيويورك تايمز. في القصة الحقيقية المصورة بكاميرات 360 درجة، يشعر المتلقي بنفسه كأنه جندي في أرض المعركة، برفقة القوات العراقية أثناء حربها لتحرير المدينة من “داعش”، لكن التواجد الافتراضي كجندي، يشمل أن يكون الإنسان عرضة لكل ما يتعرض له الجندي الحقيقي، من التوتر والمفاجأة والشعور بالخطر والترقب، ما يزيد من العبء على الصحفي لإعداد هذه التجربة بحساسية ودقة.

ومقارنة بالوسط التقليدي، حيث تعتمد تقنيات سرد القصص كثيرًا على الصورة ذات البعد الواحد، فمن الواضح الآن أن صياغة لوحة 360 درجة تتطلب مجموعة من المهارات المختلفة تمامًا. فبالانتقال من صورة أحادية البعد إلى صورة متعددة الأبعاد، كيف تضمن رؤية المشاهد لما تريد أن يشاهده؟ كيف توجه انتباهه؟ كيف يمكنك عرض لقطات مقربة؟ كيف يمكنك ضمان أفضل تجربة معايشة؟ تجيب صحيفة فوربس على ذلك بالقول إنه وبينما تتدارس المؤسسات الإعلامية الكبرى في مختبراتها محددات ومعوقات الصحافة ثلاثية الأبعاد، فإن كل ذلك قد يكون عديم الجدوى، إن لم يتوازى مع جهود من الشركات التقنية لجعل تقنية الواقع الافتراضي متاحة بشكل أكبر بين المستخدمين، وعدم استمرار بقائها مثل الآن، محصورة بنخب مهتمة بالتقنية ولديها القدرة المادية والجغرافية على الوصول لنظارات وسماعات الواقع الافتراضي، والأجهزة اللوحية التي تدعمه.

تعد تقنيات الواقع الافتراضي بخلق عالم يبدو حقيقياً لدرجة أن المتلقي سيشعر وكأنه يتواجد فيزيائياً في البعد الرقمي للخبر. ذاك الشعور بالحضور الحقيقي لا يتحقق فقط من خلال الجوانب التقنية، مهما تم إتقانها، لكن أيضاً من خلال اتساق وثراء عوالم القصص ثلاثية الأبعاد التي نخلقها، حتى ينجح الصحفي في إقناع المتلقي أنه يعيش فعلياً تجربة الأشخاص في الخبر، جسداً وعقلاً، وإلا فإنه لا معنى لها من الأساس. وبشكل أساسي، تقول تجربة عملية أجراها مختبر “K12 Lab Network” على الصحفي إن يسأل نفسه: كيف سيستجيب الجمهور للأبعاد المادية والاجتماعية للفضاء الذي تضعه تجربة الواقع الافتراضي فيه؟ كيف يمكننا أن نمنح الجمهور ما يكفي من التفاصيل والخلفيات المعلوماتية ليشعروا بالراحة والانتماء في هذه البيئة؟”.

وختاماً، يجدر التنبيه أنه وسط كل هذا التحفز في الوسط الإعلامي لإنتاج مواد ثلاثية الأبعاد، تخرج أصوات من قلبه، تطالب في التأني، وتتخوف من أن الحماس المفرط قد يكون تأثيره مستقبلاً سيئاً على الصحافة المعززة، وينقل روبرت هرناندز عن رياديين في المجال، يقولون بنبرة مترددة إن المبالغة في التسويق لهذه التكنولوجيا لن تساهم فقط في خلق خيبات أمل محتملة، إنما قد تضيق النطاق على التوسع المستقبلي للتقنية، وتحصره في آفاق ربما قد يكون بإمكانه تجاوزها. الأخطر من ذاك كله، هو ما حذرت منه المديرة التنفيذية لشركة الواقع الافتراضي، “بلاي هاوس“، كريستينا هيلر، فهي تعتقد أن أخبار الواقع الافتراضي تنبه دماغ المتلقي وتحفزه، تجعل نبض قلبه أسرع، وتشتت تفكيره، بتأثير يشبه تأثير المخدرات، ما يفرض مسؤولية أخلاقية أكبر على الصحفي قبل إعداد المادة الخبرية الافتراضية.