سلوكيات قراءة الأخبار بين الحاسوب والهواتف الذكية

يقدم هذا المقال الذي نشرته (مؤسسة نيمان للصحافة)  في الـ13 من أبريل 2018 خلاصة لدراسة تقارن بين سلوك القراءة لدى متصفحي الحواسيب والهواتف الذكية، كما يعرض لمقترح لمحاربة الأخبار الكاذبة عبر فيسبوك من خلال إعادة تصميم الواجهة.

يبدو أن الأشخاص يولون اهتماماً أكبر بالأخبار التي يقرأونها عبر أجهزة الكمبيوتر مقارنة بالهاتف الجوال؛ ما الذي يغيره هذا الاستنتاج وسط تقدم تقني يتوجه به الناس أكثر فأكثر نحو قراءة الأخبار من هواتفهم النقالة؟

وتقول ورقة بحثية جديدة نشرها ثلة من الباحثين التابعين لجامعة “تكساس إيه آند إم” الأمريكية في مجلة “جورنال أوف كمبيوتر ميدياتد كومينكايشن”، هم: جوانا دوناواي، وكاثلين سيرلز، فضلا عن مينغ تشاو سو، ونيولي بول:

باعتقادنا أن مقدار الاهتمام الذي يمنحه المستخدمون للأخبار المعروضة على الأجهزة المحمولة، على غرار الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية، لا يتساوى مع المقدار الذي يوليه مستخدمو أجهزة الكمبيوتر. اعتمد بحثنا على تقنية تتبع حركة العين في خضم تجربتين مختبريتين لتحديد آثار استخدام الأجهزة المحمولة على الانتباه الذي نوليه للأخبار. كما نعكف حالياً على إجراء دراسة واسعة النطاق تعنى ببيانات حركة مرور الويب، لتقديم دليل إضافي يدعم التصور القائل إن الاهتمام بالأخبار يختلف بشكل كبير بين أجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة الأخرى.

كيف قاموا بذلك؟

بصفة خاصة، نعمل على تفعيل الانتباه إزاء الأخبار من خلال قياس الوقت الذي يقضيه المشاركون وأعينهم مثبتة على الشاشة، وأعينهم تتابع بتركيز بصري محتوى المادة الخبرية. كما قمنا بقياس الانتباه البصري للمواد المرفقة بروابط، لأنه يمثل تمهيداً لحركة النقر، خاصة أن نسبة النقر تعتبر مقياساً معتمداً بكثرة لحساب معدلات تفاعل الجمهور مع الوسائط الرقمية. ونقوم بتفعيل الانتباه المتعلق بالروابط الإخبارية باعتماد ثلاث طرق مختلفة؛ في المقام الأول: قياس مدة تثبيت القارئ لبصره على الروابط المضمنة في القصة الإخبارية. ثانياً: تحديد عدد مرات تثبيت البصر على هذه الروابط الإخبارية المضمنة. ثالثاً: اعتماد مقياس ثنائي لبيان ما إذا كان المشاركون يثبتون بصرهم على الروابط في الأساس. دراساتنا المخبرية كشفت أنه في المتوسط، يقضي الأشخاص وقتاً أقل في تصفح المحتوى الإخباري عندما يستعملون الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية مقارنة بأجهزة الكمبيوتر، كما تقل احتمال ملاحظتهم للروابط المضمنة فيها.

في هذا الإطار، قال الباحثون إن امتلاك جهاز محمول سيزيد من احتمال الوصول إلى الأخبار، لكنه لن يزيد من الانتباه الموجه إلى هذه الأخبار بشكل ضروري.

يجب أن تدفع نتائج بحثنا هذا منتجي الأخبار للتوقف لوهلة والتمعن في مقولة مصمم الألعاب الإنجليزي بيتر ملينيو سنة 2017، الذي قال إن القراء الذين يعتمدون الهواتف الجوالة يقضون وقتاً أقل على المواقع الإخبارية، ويقل تركيزهم على محتوى هذه المواقع. كما تشير نتائج الأبحاث إلى ضرورة الذهاب أبعد من اختبارات تجربة المستخدم وتضمين النتائج البحثية (العلمية-الاجتماعية). ومن المرجح أن يؤدي الاندفاع نحو تحقيق الأرباح من وراء الأخبار التي يتم نشرها عن طريق الهاتف الجوال، إلى زيادة كلفة معالجة المعلومات على هذه الهواتف. وبذلك، يمكن لبناء قيمة اقتصادية من خلال الأخبار التي تنشر على الهواتف الجوالة أن يقلل من قيمتها الديمقراطية دون قصد.

دعوا مستخدمي الفيسبوك يختارون ما يريدون رؤيته على صفحاتهم الرئيسية: أثناء سلسلة محاضرات حول المعلومات المضللة بين مركز شورنستاين وجامعة نورث إيسترن الأمريكية، اقترح أستاذ جامعة هارفارد جوناثان زيتراين، أن يختار مستخدمو الفيسبوك ما يريدون مشاهدته بصفة أولية على صفحتهم الرئيسية، ليخلقوا بذلك “أسلوباً” أو “وصفات” خاصة بهم، في مقالة افتتاحية نشرت في صحيفة “نيويورك تايمز” خلال الأسبوع الماضي:

يجب على فيسبوك أن يسمح لمستخدميه بكتابة ومشاركة رؤيتهم الخاصة بهم، أي تصميمهم لنوعية المواد التي ستظهر على صفحتهم الرئيسية على فيسبوك، بدلا من اعتماد تصميم واحد يعمم على الجميع، لنقل، تصميماً يعطي الأولوية لمنشورات الأصدقاء والعائلة على حساب الأخبار.

حتى أنه يمكن بناءا على المقترح هذا، أن يشترك مستخدم ما في التصميم الذي أعده شخص آخر لنفسه، في هذا الصدد، قال زيتراين “من الممكن، بل من المرجح أن يؤدي هذا إلى تفاقم مشكلة الفقاعات التي تخلقها مرشّحات الخوارزميات الذكية. مضيفاً: “يخبرني شعوري أن هذه مشكلة مختلفة عن معضلة المعلومات المضللة، لكنها مشكلة متشعبة في الآن ذاته. فهناك العديد من الأشخاص في الخارج الذين لا يريدون أن يتم تضليلهم”. وبذلك، يعتبر منح الأشخاص فرصة تحديد المحتوى الذين يرونه، وسيلة لتقليل تدفق المعلومات المضللة، ليلجوا عالما لا يرون فيه إلا ما يرغبون في مشاهدته.

كما اقترح السماح للأشخاص بالاشتراك في التحديثات المتعلقة بالمنشورات التي قاموا بتسجيل إعجاب بها أو التعليق عليها، ليتسنى لهم معرفة ما إذا تم الكشف لاحقاً بأن هذه المنشورات مزيفة. كما طرح زيتراين فكرة اعتماد “أمناء المكتبات” للأخذ بزمام الأمور، وتولي مسؤولية تقديم هذه التحديثات. وقد تسبب هذا المقترح في موجة من الحماسة داخل جمعية المكتبات الأمريكية، لكن لا يمكننا قول الأمر ذاته حول فيسبوك. لقد تجلى ذلك من خلال قوله “إذا كان لدينا مجال يتاح لمرتاديه اختيار شكل المحتوى الذي يتم تحديثه في صفحاتهم الرئيسية، فستكون هناك طريقة طبيعية للحصول على بعض المحتويات التي تتضمن زرا إضافيا أو عاملا متغيرا للارتباط به”.

“لطالما علمنا أن هذا الأمر سيتحول إلى عمل بدافع الحب” هذا ما قاله عامل الإنشاءات الأمريكي الأب لثلاثة أطفال، والذي روى لصحيفة “بوسطن غلوب” كيف أنه كان يجني رزقه من نشر الأخبار الكاذبة على الإنترنت. مبيّناً: حركة البيانات الخاصة بي والأموال المتأتية من الإعلانات بدأت في الاختفاء منذ الصيف الماضي، لكنه يزعم: “لقد علمنا منذ وقت طويل أن هذا الأمر سيتحول إلى عمل بدافع الحب، وسنتطوع بكل سرور لمواصلة القيام بذلك”.