صحافة الواقع المعزز.. أخبار ثلاثية الأبعاد

ناقشنا في تدوينة سابقة في أسطرلاب كيف أن “العصر الجديد” للصحافة المستندة على تقنيات الذكاء الاصطناعي سيجعل عمل الصحفيين أكثر دقة وفعالية من ذي قبل، ولكي تتمكن التكنولوجيا من مساعدة الصحفي، عليه في البداية أن يجعل نصب عينيه هدف التعرف على تقنياتها، تجربتها عن قرب وتعلم كيفية الاستفادة من ميزاتها في أعماله، كي يتمكن من بناء مواد صحفية تواكب التطور التقني، وتأخذ المتلقي، وفق فرانشيسكو ماركوني، مدير التخطيط في وحدة الذكاء الاصطناعي في الأسوشيتد برس، إلى تجربة صحفية أكثر عمقا وفائدة من التجربة التقليدية التي ألفها.

إمكانيات الواقع المعزز في الصحافة

تقنيات الواقع المعزز (AR)، ووسائط الإعلام الغامرة ( immersive media ) تعتبر المفتاح الرئيسي لإشباع رغبة المستهلكين في الأخبار في الاقتراب من القصة. ويتوقع دان آرتشر، المؤسس للمشروع الريادي المختص في توظيف أحدث التقنيات في عالم الصحافة “ Empathetic Media“، أن يتسبب توظيف تقنيات الواقع المعزز في إحداث تغيير ذي صدى كبير، يشبه ذاك الذي حدث في عالم الواجهات عندما حدثت النقلة من الشاشات العادية إلى الشاشات التي تعمل باللمس. ويرى أيضاً أنه في المستقبل القريب ستكون التجارب ثلاثية الأبعاد قابلة للعرض من أي زاوية في غرف المعيشة في منازلنا، وسيكون المستخدمون قادرين على التحرك والتفاعل داخلها، ويضيف: “لا أعتقد أن هذا سيجعل الشاشات ثنائية الأبعاد مهجورة، بالنظر إلى مدى اعتيادنا على المشاهدة السلبية (الخالية من التفاعل الجسدي)، لكنني أتصور أنه سيتم التسويق لها والعمل عليها بحيث تكون مستقبل السرد الصحفي، وهي تجربة جديدة تمامًا نأمل بأن تكون أكثر ملائمة لحالة المستخدمين المتعددين”.

الصحفي البريطاني بيتر وارد، في تدوينة بعنوان “٤ طرق قد ينقذ بها الواقع المعزز الصحافة“، يقول إن استخدام تقنيات الواقع المعزز في الصحافة قد يؤدي إلى زيادة الإبداع في الإنتاج الصحفي، زيادة العائدات الربحية من الإعلانات التجارية، والأهم،  تقديم قالب جديد لنشر المحتوى الصحفي، إلى جانب الأشكال التقليدية مثل التلفزيون والصحف قديماً، والمواقع الإخبارية والتطبيقات حديثاً، ويضرب لذلك مثالاً بأن تقدم مؤسسة إعلامية ما منصة AR “أي الواقع المعزز”، بحيث تظهر قوائم ثلاثية الأبعاد لتداولات الأسهم بالبورصة على مكتب العاملين في المجال الاقتصادي، تخيلوا حينها عدد القصص والمواد الإخبارية والمعلوماتية التي يمكن أن يتم إنتاجها وتصفحها بسهولة وبطريقة غنية ومعززة أكثر، من خلال ميزة يمكن للمتلقي استخدامها كل يوم. لذلك، يقول وارد، يلزم مجال الواقع المعزز أن يتم إنتاج نظارات وعدسات لاصقة أسهل وأريح في الاستخدام.

وبالإضافة إلى القوالب الصحفية الجديدة، من الممكن لتكنولوجيا الواقع المعزز أن تكون ذات فائدة كبيرة لدى الصحفيين في الميدان، فأجهزة التصوير المواجهة للخارج المثبتة في نظارات الواقع المعزز “outward facing cameras”، من الممكن أن تسهل تسجيل المقابلات، كذلك قد تسهل إبقاء المراسل على اطلاع على آخر المستجدات والعواجل خلال المؤتمرات الصحفية، ما يساعد الصحفي على صياغة أسئلة أقوى وأكثر قدرة على محاسبة المسؤول ومواجهته.

أما في مجال الرياضة، فهل سبق لك التفكير في الإمكانيات التي سيضيفها استخدام الواقع المعزز مع المباريات الرياضية الحية؟ فبحسب مقال على موقع “المدرسة المفتوحة للصحافة“، يمكن على سبيل المثال أن يتم عرض المعلومات والإحصائيات عن اللعبة واللاعبين، التي اعتاد المعلقون الرياضيون على تقديمها، بطريقة أكثر تفاعلية وأسهل للتحليل والتذكر. وفي المستقبل، يتوقع أن يؤدي الواقع المعزز إلى جعل مشاهدة الألعاب الرياضية على الهاتف الذكي شائعة مثلها مثل مشاهدتها على التلفاز.

تجارب عملية

وخلال الأولمبياد الشتوي الذي أقيمت فعالياته في شباط الماضي بكوريا الجنوبية، دشنت صحيفة “نيويورك تايمز” مشروعها الأول في الصحافة المعززة، بالاستفادة من تقنيات 3D التي توفرها أحدث النسخ من أجهزة آيفون، آيباد، وسامسونج. قائلة إنها بتوظيف الهاتف الذكي كـ”نافذة” يطل منها المستخدم على الحدث، تكون قد نقلت القصص الصحفية إلى عالم أبعد من ضيق ومحدودية الشاشة، من خلال إضافة عناصر رقمية إلى نطاق المستخدم، بأبعادها الحقيقية، سواء كانت هذه العناصر بشرية أو جمادات.

وبمنح المستخدم القدرة الافتراضية على الاقتراب من عناصر القصة ومعاينتها بأبعادها الثلاثة، يصبح لدى الصحفي أيضاً إمكانية إضافة شروحات وتفصيلات أكثر دقة وارتباطاً بجزئياتها المعروضة. ويعقب الصحفي في نيويورك تايمز غراهام روبرتس بالقول إن تقنية الواقع المعزز تتيح للصحفيين ومنتجي الأخبار فهم الطبيعة الآخذة في التطور للعمل الصحفي، سواء على صعيد إعداد المادة الصحفية، أو القالب الذي يتم تقديمها به، أو الطريقة التي تنشر بها.

وفي مقال بعنوان “كيف سنجلب الأخبار لمنزلك“، عرضت النيويورك تايمز صورة ثابتة لماكينة طباعة الصحيفة التي كانت تتواجد بشوارع الولايات المتحدة بالتسعينات، وعرضت إلى جانبها فيديو يوضح الطريقة التي سيشاهد بها المستخدم الآلة عن كثب، بدرجة تسمح له حتى معاينة الصدأ الذي يعلوها، في حال طبعا كان قد حمل تطبيق نيويورك تايمز على جهازه الحديث الذي يدعم تقنية الواقع ال

وتعليقاً على المشروع الناشئ لدى النيويورك تايمز، يقول زاك آندروس في مقال بعنوان “حان الوقت لصحافة الواقع المعزز“، إن المشروع  ما يزال في مرحلة الاستعراض المهني لجلب الانتباه، لكن قريباً سيسرّع عمالقة الإنتاج الإعلامي من تجاربهم العملية وفي الاستثمار بهذا المضمار التقني الجديد، وسيصبح الواقع المعزز أمراً حقيقياً. مستدركاً أنه ربما لن تتمكن المنصات الإعلامية الأصغر من مجاراة هذا التقدم أو الحصول على التمويل الكافي له، لكنه يرى أنه خلال فترة قصيرة، سيصبح تصفح القصص ثلاثية الأبعاد هو الشائع.

وإلى جانب الصحيفة، كان تطبيق كوارتز “Quartz”، كالعادة، من أسرع المبادرين لتبني التقنية في إنتاجه الإخباري، وخلال أسبوع واحد فقط من تبنيها، حصل التطبيق على 10 آلاف تحميل جديد، بحيث قام ثلثا المستخدمين الذين تدعم أجهزتهم تقنية الواقع المعزز بالضغط على المواد ثلاثية الأبعاد في التطبيق ومشاهدتها. وتعقيباً على ذلك، يقول الإداري في التطبيق، جون كيف، إن هناك رغبة حقيقية لدى المستخدمين بالاقتراب أكثر من القصص الإخبارية عبر “التقنيات الغامرة”.

وخلال تغطية كوارتز الإخبارية المعززة، تبين مثلاُ كيف أن خبراً عن مركبة فضائية جديدة تطلقها ناسا من الممكن أن يكون حيوياً وأسهل في هضمه والتفاعل معه، فقد سهل عرض التطبيق لمجسم ثلاثي الأبعاد للمركبة “كاسيني” على القارئ فهم الحجم الحقيقي للمركبة وشكلها وصفاتها. لكن، يستدرك “كيف”، عملية تصنيع مجسم ثلاثي الأبعاد من الصفر تعتبر صعبة جداً، لذلك يلزم للمنصة الإعلامية أن تستعين بمصمميين مستقلين، أو استخدام مجسمات توفرها المنصات الأصلية، مثل ناسا. كما أن عملية تصميم مجسم ثلاثي الأبعاد وجعله جاهزًا للعرض في الهاتف يمكن أن تستغرق ما يصل إلى يوم أو يومين، ما يجعل هذه التقنية غير مناسبة في الوقت الحالي  للأخبار العاجلة، بل تستخدم في المقام الأول لتوفير سياق إضافي لقصة نصية.

العقبات

ووفقاً لكيف، فلعل أكبر عقبة في الوقت الحاضر أمام الصحافة المعززة هو أن جزءاً كبيراً من المستخدمين اعتادوا على تلقي معلوماتهم بشكل نصي، ما يضفي على النص شرعية وأصالة أكثر مقارنة بالقوالب الإعلامية الأخرى، تحديداً تلك التي تكون في الغالب بصرية. ما يعني أن الناس قد يكونون متشككين في البداية من الـ AR في التقارير الإخبارية، خاصة أن مصادفتهم لها في السابق لم تتم غالباً إلا من خلال الألعاب.

وبالنظر إلى أن معظم هذه التقنيات يتم تطويرها في وادي السليكون في الولايات المتحدة من قبل نخبة صغيرة من “الرجال البيض” متوسطي العمر، فإن أخصائية الذكاء الاصطناعي في البي بي سي، كاثرين آلين تحذر من أن يعني توظيف هذه التقنيات في الصحافة، المزيد من المساحات المغلقة أمام نخبٍ ما، والمحصورة على نخبٍ أخرى، وتدعو للتأكيد على أن تؤخذ الفروقات الجنسية والعرقية في عين الاعتبار.

ومع إدراك أن إعداد مواد صحفية مبنية بشكل كامل على الواقع المعزز يعتبر للآن أمراً معقداً وعالي التكلفة ومحفوفاً بالأسئلة القانونية والأخلاقية، فإن ذلك لا يمنع من أن تبدأ المؤسسات الإعلامية بتبنيها تدريجياً، بإرفاقها مع مواد نصية، وبذلك يتم تقديمها برفق للمستخدمين حتى يأخذوا بالاعتياد عليها. وعلى الصحفي الذي يسعى لتوظيف هذه التقنية أن يأخذ باعتباره 3 أشياء، بحسب مقالٍ بعنوان “فحص حقيقة الواقع المعزز بالصحافة“، وهي:

  • أي جوانب هذه القصة هو الأكثر قابلية لتحويله لمجسم ثلاثي الأبعاد يمكن استكشافه والاقتراب منه وحوله؟
  • كيف أستطيع توظيف هذه التقنية لإضافة بعد آخر للقصة لا تستطيع الوسائط والقوالب الأخرى إضافته؟
  • ما هي الطريقة التي سيستخدمها جمهوري لتشغيل هذه التقنية؟

وفي هذا الخصوص، يشجع العاملون في الواقع المعزز المؤسسات الإعلامية على عدم التخلف عن الركب التقني، وأن لا تتوانى عن دمج المحتوى الترفيهي مع المحتوى الخبري في إنتاجها، وإلا سيتجاوزها المستخدمون لمنصات تقوم بذلك الآن بالفعل، مثل فيسبوك وآبل وسناب.