كيف تدار غرف الأخبار عن بعد؟

نشهد في الوقت الراهن وفرة في المشاريع الإعلامية الرقمية التي تعمل في الغالب بطريقة عابرة للحدود، إذ تعتمد على طواقم موزعة جغرافياً بين عدة الدول، لأسباب مختلفة، وتدار من قبل فريق مركزي عن بعد، وتستعين في كثير من الأحيان بمستقلين لإنتاج بعض المحتوى أو المواد.

بدأنا في اسطرلاب بفريق صغير في إسطنبول، نعمل ضمن مساحة عمل متواضعة بحيث يتواجد الفريق جميعه في نفس المكتب، بعد نحو سنة تقرر توسيع الفريق، فانضم إلينا فريق من تونس يعملون من مساحة عمل في العاصمة هناك، وبهذا بات لأسطرلاب غرفة أخبار مكوّنة من طاقم بمكتبين أحدهما بإسطنبول والآخر بتونس، والآن نحن أمام هذه الأسئلة: كيف ستجري عملية إعداد الأخبار بالسرعة المطلوبة؟ كيف سنحافظ على وتيرة نشر مقبولة في عالم الأخبار المتسارعة؟ كيف سيتواصل الفريق؟ كيف ستنجر المهام بوقتها؟ كيف سيسير العمل برمته؟

تلجأ المنصات الإعلامية إلى غرفة الأخبار متعددة المكاتب كونها تؤمن لها عدداً من المزايا، لعل من أبرزها:

الحرية: لا سيما في ظل أنظمة كالتي تحكم البلاد العربية، حيث نعيش تضييقاً على حرية العمل الصحفي وممارسته، لهذا يضمن توزّع طاقم المشروع الإعلامي على عدد من العواصم أو فريق يعمل كل فرد منه في مدينة عربية أو غير عربية استمرار المشروع وعدم تأثره فيما لو ضُيّق على أحد مكاتبه أو أفراده.

سهولة إجراءات تسجيل الشركات: بالإضافة لمسألة التضييق على العمل الصحفي، لا تتوفر في كل الدول القوانين والتشريعات الناظمة لعمل الشركات الناشئة والمشاريع الريادية، فيما تتوفر بدول أخرى، ما يجعل الحاجة لتسجيل الشركة أو نقل مقرها لدولة أخرى غير الدولة التي ينتمي إليها قادة المشروع.

خفض التكاليف: تكلفة فتح مكتب في دولة متوسط دخل الفرد فيها ألفي دولار سنوياً، يختلف عنه في دولة متوسط دخل الفرد فيها 20 ألف دولار، ولهذا فإن توسيع الفريق إلى بلاد مستوى دخل الفرد فيها منخفض سيساعد الشركة الناشئة على تسريع نموها.

استقطاب الكفاءات: تبحث المشاريع الريادية دائماً عن الكفاءات كونها عصب معركتها نحو النمو، لكن العديد من تلك الكفاءات قد لا يرغب بالسفر خارج بلاده، أو قد تكون تكلفة نقله إلى بلد مقر المشروع مرتفعة للغاية، هنا تكمن أهمية أخرى للعمل عن بعد، يظهر هذا جلياً في مشاريع يطلقها رواد أعمال من خارج الوطن العربي حيث تقل هناك الكفاءات العربية التي يحتاجها.

تغطية أوسع وأكثر تنوعاً: وجود الفريق في أكثر من إقليم قد يعني تغطية أفضل لتلك الأقاليم، فطاقم شامي أو مصري من الصحافيين، مهما كان محترفاً، لن يستطيع تغطية أخبار المغرب العربي كفريق صحفي مغاربي، أو خليجي، وقس على ذلك، هذا بالإضافة إلى أن نوعية المحتوى والأخبار ستحظى بتنوع أفضل مع انتشار الفريق في جغرافيا أوسع.

تجربتنا

وفي أسطرلاب، حيث تتوزع غرفة الأخبار على مكتبين أحدهما في المقر الرئيسي في إسطنبول حيث يوجد فريق متنوع من سوريا وفلسطين والعراق، والآخر في تونس بفريق محلي بحت، عايشنا كل ما ذكرناه أعلاه، ويمكن تلخيص تجربنتا بالتالي:

الاستفادة من فارق التوقيت: مع أنه قد يبدو مشكلة أحياناً لا سيما حين يكون الفارق عدة ساعات، إلا أن وجود ساعتين من الفارق ساعدنا بمد فترة التغطية الإخبارية بحيث يبدأ فريق إسطنبول قبل ساعتين من فريق تونس، فيما يختم الأخير بعد ساعتين من نظيره بتركيا.

الاعتماد على سلاك: من بين عدة منصات وتطبيقات متوفرة بالفعل لإدارة المشاريع وإنجاز المهام، اخترنا Slack.com، فهي توفر أداة ممتازة لتسهيل إدارة فريق عن بعد متاحة على متصفح الويب والهواتف الذكية، وتوفر مجموعات وقنوات يُمكن باستمرار إضافة المزيد منها كلما اقتضت الحاجة لتنظيم العمل وتوزيع المهام، كما تسهل تواصل مباشر بين المحررين أنفسهم، والأهم أنها تبقى مكاناً آمناً بعيداً عن شبكات التواصل وضجيجهاً وعوامل التشتيت التي تخلقها، فيبقى الفريق مركزاً ومنتبهاً لمهامه.

عقد اجتماعات بالفيديو: العمل عن بعد بين مكتبين أو أكثر يُوجب إجراء اجتماعات فيديوية دورية أو شبه دورية، لضبط الإيقاع بين الطاقم وسلاسة سير العمل، وأيضاً من أجل إعادة التأكيد على تخطي الملاحظات والتذكير بالالتزام بدليل الأسلوب والخط التحريري للمشروع.

الأهم من ذلك، أن إجراء اتصال فيديو أو مكالمة صوتية سيعني تكثيف ما يراد إيصاله بين الطواقم، بشكل أوضح من الكتابة في كثير من الأحيان، وأيضاً بشكل أسرع بكثير.

الحديث بالفيديو يحافظ أيضاً على انسجام الموظفين، ويُنشئ علاقة حميمية بينهم بفضل الدردشات الجانبية التي تحدث أثناء الاجتماعات، سواء كانت مكالمات جماعية أو بين مباشرة بين زميلين.

تحديات

وجود هذه المزايا لن يعني بطبيعة الحال عدم وجود تحديات قد تربك سير العمل، ولو ببداياته ريثما يمتلك الفريق زمام المبادرة ويتعلم كيف يدير نفسه، من تلك التحديات على سبيل المثال:

مشكلات التواصل: في غرفة أخبار تقوم بنية عملها أصلاً على السرعة والآنية، يكون الاتصال الفعال أولوية، فإذا كان الفريق يعمل بمكان واحد فيزيائياً؛ تفي بالغرض أحياناً إيماءة أو كلمة واحدة، لأنه موجود معك على نفس الطاولة، أو في الطاولة المقابلة، حيث يمكنك قول ما تريد بدون الحاجة لأكثر من مخاطبته بشكل مباشر وينتهي الأمر، لكن الأمر مختلف عندما يكون جزء من فريقك في مكان أو أكثر حول العالم، وبالتالي ستكون مهمة المحافظة على سرعة سير العمل صعبة ومتعبة.

ويمكن تذليل هذه العقبات بالاتفاق على أكثر من أسلوب للاتصال بعد تحديد مكمن البطء وسوء التواصل، وإتقان استخدام المنصة المستخدمة لإدارة المهام، وتشغيل التنبيهات الخاصة بها دون غيرها.

تعدد اللهجات: يخلق تنوع اللهجات وغرابتها حالة من المرح بين الفريق، ويثري معارفه بالطلاع على ثقافات أخرى، إلا أن الأمر في غرفة الأخبار يعد تحدياً حقيقياً. فعلى سبيل المثال، تستخدم أغلب وسائل الإعلام بالمشرق العربي أسلوب تحريري شامي إلا ببعض التفاصيل التي تختلف فيها قليلاً بين وسيلة إعلام وأخرى، لكنك عندما تكوّن فريقاً متعدد الأقاليم فستكون عملية إلزام الجميع بدليل أسلوب محدد شاقة ومنهكة، وطويلة أيضاً، كونها عملية تراكمية تكتشف المزيد من التعابير الغريبة عن دليلك التحريري كلما أنتجتم المزيد من الأخبار.

والطريقة الجيدة لتجاوز هذا، هي إعداد دليل أسلوب مكتوب خاص بالمنصة، وإشراك الجميع في صياغته وتحريره، وإتاحة الوصول إليه باستمرار، وتذكير الطاقم به أو بالفقرة المطلوبة منه عند كل حالة نسيان، إلى حين اعتياده.