كيف تروي البي بي سي والغارديان قصصاً عبر الهاتف المحمول

هل يتم إنشاء المقالات الصحفية للعرض على الحاسوب أوّلا، ثم تصغيرها لتصبح مناسبة للهاتف المحمول؟ أم يتم منذ البداية تصميمها لشاشة الهاتف ثم تكبيرها؟ كيف يتم إنتاج المقالات المطولة والرسوم البيانية المعقدة لتكون متلائمة مع الشاشات الصغيرة والأصابع الضخمة، وبنفس درجة أريحية التعامل مع الفأرة والشاشة الكبيرة في الحاسوب؟ هذه بعض الأسئلة التي تحتار بشأنها المؤسسات الإعلامية بشكل يومي.

تعتبر شبكة البي بي سي الإخبارية، وصحيفة الغارديان، اثنتين من عمالقة الصحافة العالمية، واللتين كانتا من رواد تطوير الإعلام وتقديم صحافة إبداعية ذات جودة عالية على شاشات الهاتف المحمول. وقد تحدثنا مع بيلا هارل، نائبة رئيس التحرير في فريق الصحافة المرئية في شبكة بي بي سي الإخبارية، وفيلدينغ كايج، محرر المرئيات في الغارديان، حول كيفية جعل القصص تظهر بشكل جيد على الشاشات الصغيرة، وعن رحلتهما في عالم الصحافة، والمهارات الأساسية التي يركزون عليها، وأهم النصائح التي يمكن تقديمها.

في البداية

أفادت هارل، التي تمتلك معرفة مسبقة بالصحافة الرقمية وشاركت في إعادة إطلاق الموقع الإلكتروني لشبكة بي بي سي الإخبارية: “نحن نعمل في البي بي سي على إنشاء الرسوم البيانية، والخرائط التفاعلية والصور بشكل يتجاوب مع المستجدات، وذلك منذ سنة 2012 أو 2013 عندما بدأ عدد المتابعين عبر الهواتف المحمولة يرتفع بشكل ملحوظ. والآن، أضحت غالبية متابعينا عبر الإنترنت من مستخدمي الهاتف، عبر تطبيق عرض الأخبار أو الموقع الإلكتروني التفاعلي، ما جعل من تجربة متابعة الأخبار عبر الهاتف المحمول عادة يومية لدى أغلب الناس”.

أما كايج، فقد بدأ يفكر بجدية في صحافة الهاتف المحمول سنة 2012، أثناء تغطيته لسباق انتخابي لصالح  صحيفة الغارديان. وحيال هذا الشأن قال: “لقد عرضنا نتائج الانتخابات طوال الليل بطريقتين، إحداهما مناسبة لشاشة الحاسوب، والأخرى للهاتف المحمول، ما يعني إيجاد تطبيقين منفصلين كل منهما عمل عليه فريق منفصل. وبصراحة، كانت نسخة الهاتف المحمول محدودة جدا، ولم تقدم شيئا غير المعلومات الأساسية حول من هو متقدم في نتائج الفرز دون عرض تفاصيل إضافية أو تحاليل. بعد ذلك، بات من الضروري مراعاة مستخدمي الهاتف عند العمل على أي مشروع”.

في سياق متصل، تابع كايج “واليوم، أنا أقضي الكثير من الوقت في التفكير فيما يقوم به المستخدم، وكيف يشعر عندما يرى ما نعرضه، وكيف يتفاعل معه؟ أنا أميل للتفكير في إمكانيات تفاعل المستخدم عندما يكون على متن الحافلة وبصدد سماع الموسيقى. هل ستزعجه خاصية التشغيل الآلي للفيديو؟ هل يمكن الولوج للموقع حتى عند انقطاع تغطية الإنترنت؟ أنا بالتأكيد أقضي وقتا أطول في التفكير في تجربة المستخدم وانتظاراته أثناء عملي على كل مشروع”.

فرق العمل

تعتمد شبكة البي بي سي على فريق قوي يتألف من 30 عضوا، منهم مصممون في مجال الرسوم البيانية و”تجربة المستخدم” ومختصون في الفيديو، بالإضافة إلى مطوري شاشات العرض، وصحفيون يركزون جميعا على شكل المنتج النهائي المعروض على الموقع. وتفسر هارل هذا الأمر قائلة: “نحن ننتج أخبارا ومرئيات بشكل سريع ومتواصل طوال اليوم، إلى جانب إنتاج محتوى أكثر تفاعلية، مثل حاسبات الارتباط الشخصي، وأشكالا أخرى من الإنتاج الصحفي”.

إلى جانب ذلك، يضم هذا القسم كل مصممي العرض التلفزيوني ومحرري الصور في بي بي سي، وقد قدموا الإضافة في مجال عرض الهاتف المحمول. في هذا الإطار، أوردت هارل: “لقد تعلمنا في وقت مبكر أن تصميم المحتوى للهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي يشبه في عدة نقاط التصميم للعرض التلفزيوني، حيث يجب أن تكون المرئيات مركزة على موضوع محدد، مع الكتابة بخط عريض، ناهيك عن ضرورة وجود عامل الجاذبية البصرية لجلب انتباه المشاهد”.

أما في الغارديان، يضم فريق المرئيات 20 شخصاً، وقد تم تصميم الشعار الحالي لهذه الصحيفة في أواخر سنة 2014، عبر دمج فرق الرسومات والعرض التفاعلي، بالتعاون مع فريقي البيانات والصور. في هذا السياق، قال كايج: “أهم عامل لنجاح فريقنا هو مزج المهارات، فنحن فريق يضم حوالي 20 شخصا يتمتعون بمهارات منها الفيديو، وإنتاج الرسوم، والتصوير، وتصميم الجرافيك، وتصميم تجربة المستخدم، والبيانات والترميز، ولكن الأهم من كل ذلك هو أن جميع أفراد الفريق من الصحفيين”.

في السياق ذاته، أضاف كايج: “إن شعار الفريق في العمل هو “توضيح الأخبار عندما تكون الكلمات غير كافية”، فنحن ننتج المرئيات التي تعد أساسية لفهم الخبر ووضعه في سياقه المناسب. كما تمتاز غرفة الأخبار في صحيفة الغارديان بالبراعة في المجال الرقمي، لذلك نحن نقضي الكثير من الوقت في العمل مع المراسلين على أفكار تحت الإنجاز. وقد أنشأنا أدوات متعلقة بالرسوم البيانية والخرائط، لتمكين مراسلينا من خارج الفريق من إنتاج بعض المواد الصحفية البسيطة بمفردهم”.

المبادئ الأساسية والمشاريع

يحاول فريق البي بي سي عدم تجاوز فترة ثمانية أسابيع في العمل على أي مشروع، كما يحرص على التعاون مع العديد من الصحفيين والمنتجين في كافة أقسام المؤسسة. ومن بين المشاريع المفضلة لدى هارل، فكرة “ماذا قال الرئيس ترمب حول بلدك؟” لأنها تشعر بأن هذا المشروع جمع بين التصميم المحبب لدى المستخدم، والمحتوى التحريري المثير للاهتمام، كما أنه يعتمد على لغة خطاب مبسطة ويقدم قيمة إضافية باعتبار أنه يتم تحديثه بشكل متواصل بناء على تصريحات الرئيس الأمريكي.

كما تذكر هارل مشروع “الحاسبات”، التي تعتمد على صيغة فعالة من أجل تفسير كل فكرة في جملة واحدة، والسماح بعرض البيانات التي يدخلها المستخدم في شاشة الهاتف المحمول على شكل معلومات تثير اهتمامه. ومن أحدث الأمثلة على ذلك مشروع احتساب الضرائب الموظفة على الفوط الصحية، عبر صيغة حسابية تسمح للمستخدمات بمعرفة ما أنفقنه في شكل ضرائب على القيمة المضافة عند شرائهن للفوط الصحية في المملكة المتحدة. بالإضافة إلى مشروع مراقبة خدمة الرعاية الصحية البريطانية، الذي يتيح للمستخدم متابعة حالة خدمات الصحة بحسب المنطقة التي يعيش فيها.

1 pOIuqVKggJXeccOKmY9SIA
(تطبيق لمعرفة ما قاله ترامب حول كل بلد، وحاسبة الضريبة على الفوط الصحية)

لطالما سعت هارل وفريقها للمحافظة على البساطة أثناء العمل على هذه المشاريع، وذلك عبر التركيز على فكرة واحدة يمكن للمستخدم تصفحها بسهولة، ومشاهدة الخرائط، والرسوم البيانية أو الرسومات المتعلقة بالموضوع وتخبرهم بمعطى واحد محدد، عوضا عن عرض مجموعة من الخيارات المعقدة التي يجب على المستخدم الضغط على أحدها.

وفي هذا الصدد، تقدم هارل مجموعة من النصائح، أبرزها:

  • لا تنس الأساسيات.
  • احرص على أن يكون المحتوى مكتوبا بشكل جيد ومرفقا بالعناوين والملاحظات.
  • لا تنتظر من المستخدمين أن يبذلوا جهدا من أجل الاطلاع على المحتوى، لأنهم لن يكلفوا أنفسهم هذا العناء.
  • تذكر أن تكون الألوان المستخدمة مناسبة لمن يعانون من عمى الألوان.
  • احترم خصوصية المستخدم، واجعله متأكدا من أن معلوماته الشخصية آمنة ومن أنك لا تقوم بنسخها أو تسجيلها.
  • أظهر المحبة للمستخدم، ولا تصعب الأمور عليه، عبر ارتكاب بعض الأخطاء؛ مثل أن تطلب منه معلومات ليست في متناوله، حيث أنه لن يرهق نفسه بالذهاب للبحث عنها.

أما بالنسبة لكايج، فإن التغييرات التي يشهدها عالم الهواتف المحمولة يوما بعد يوم، قد أثرت على أسلوب الفريق في التخطيط للقصص وتحريرها. وفي هذا الخصوص، قال كايج “نحن نأخذ بعين الاعتبار عددا من المكتسبات التي نتوقع من القارئ أن يخرج بها من موقعنا، ثم نقوم ببناء المشروع حول هذه الفكرة المركزية. ويمكننا هذا الأسلوب من اتخاذ القرارات بشأن التصميم وعرض المعلومات، وتحسين التفاصيل التقنية المتعلقة بالعرض على شاشة الهاتف المحمول. ثم بعد ذلك، إذا كان العمل ملائما للهاتف المحمول، فإنه بالطبع سيكون ملائما لشاشة الحاسوب مع إدخال بعض التعديلات عليه”.

من أحدث الأمثلة على هذا العمل، مشروع المتابعة المباشرة لبيانات التلوث في مدينة لندن، لمعرفة المناطق التي ستتجاوز فيها مستويات التلوث الحد المسموح به خلال سنة 2018. بالإضافة إلى ذلك، نذكر مشروع التفاعل حول نهر ميكونغ، وهي فكرة أدت لابتكار طرق جديدة لعرض القصص وتطوير تفاعل المستخدم عبر الهاتف المحمول.

1 gNT7yVpIFegIyUCx-mt1hQ
(مشروعا نهر ميكونغ ومتابعة نسب التلوث)

من أبرز النصائح التي يقدمها كايج:

  • التركيز على القصة.
  • امتلاك فهم واضح لما تريد أن تحققه.
  • ركز على طريقة العرض على شاشة الهاتف المحمول وتجنب الإضافات الخاصة بشاشة الحاسوب.
  • احرص على أن يكون الموضوع واضحا في الواجهة الأمامية، ولا تنتظر من المستخدم أن يقوم بتصفح عدة شاشات ليصل لفهم المحتوى والهدف المنشود.
  • احرص على التخطيط والتفكير بوضوح أثناء الإعداد للمشاريع.

إحداث التغيير

على الرغم من توظيفها لأفضل المحررين والتقنيين، إلا أن العديد من المؤسسات الإعلامية الكبيرة والعريقة تواجه صعوبات في تغيير العادات والأفكار السائدة لدى موظفيها، التي طورها صانعو القرار عبر السنوات. ولم يكن الأمر مختلفا بالنسبة للبي بي سي والغارديان، عندما تعلق الأمر بالانتقال نحو صحافة الهاتف المحمول.

في الحقيقة، تتذكر هارل تلك الفترة قائلة: “على الرغم من أن الفكرة التي كانت سائدة في الظاهر، عندما تنامى جمهور البي بي سي من مستخدمي المحمول، هي أنه من الأفضل تصميم المحتوى ليكون مناسبا لشاشة الهاتف، ثم إدخال تغييرات عليه ليتناسب مع شاشة الحاسوب، إلا أن هذه المهمة كانت فعلا معقدة بالنسبة للكثير من الصحفيين والمحررين الذين اعتادوا على المساحة الكبيرة والمريحة التي توفرها شاشات حواسيبهم”.

سنة 2016، شهدت البي بي سي التغيير الأبرز عندما قرر فريق الإنتاج تغيير نظام إدارة المحتوى، من الشكل التقليدي المستخدم لدى آلاف الصحفيين لنشر الأخبار عبر الإنترنت، إلى نظام جديد مناسب للعرض على شاشة الهاتف.

بالنسبة لكايج، تمثل الهدف الأبرز في العام الجديد في الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، حيث وضح: “بحلول الوقت الذي تظهر فيه القصة على لائحة الأخبار، يكون غالبا قد تأخر الوقت باعتبار أن الخبر ينتشر في غضون دقائق أو ساعات. لذلك، يجب علينا التفكير مسبقا في الأيام والأسابيع الموالية، والسبب في ذلك ليس أننا نحتاج لكل هذا الوقت لإنجاز مشروع واحد، بل لأن ذلك يتيح لنا متسعا من الوقت للمراوحة بين عدة مشاريع وجمع الأخبار وتطوير الأفكار، تماما كما يحصل في أي عمل صحفي عادي”.

أفضل من تبقى

ربما تعد البي بي سي والغارديان اثنتين من أبرز المؤسسات الصحفية التي تنظر إليها شركات الإعلام حول العالم على أنها المرجع الذي يضع القواعد، ولكن من هي الأطراف التي يحسدها موظفو هاتين المؤسستين؟ وما هو تأثير صحافة الهواتف المحمولة على باقي أقسام القطاع الإعلامي؟

فيما يتعلق بهذه المسألة، أكدت هارل: “لقد قطعت أغلب المؤسسات الصحفية شوطا كبيرا في إتقان إنجاز مقاطع الفيديو التي تعمل بسلاسة على الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي. وقد مثل تطبيق “كوارتز” خطوة مثيرة للاهتمام، ومنذ ذلك الحين باتت العديد من المؤسسات تستخدم تقنيات عرض مناسبة للتواصل مع المستخدم، لتوضيح السياق والخلفية المرافقة لكل خبر، على شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية. كما أعتقد أيضا أننا سوف نحقق كلنا تقدما في كيفية التعلم من بيانات المتابعين، وتحديد ما يؤثر فعلا على المستخدم، وكيفية تحسين بنائنا للقصص. يمكننا استخدام كل هذه المهارات من أجل إنتاج محتوى يثير الاهتمام، حول مواضيع قد تكون أحيانا صعبة الفهم، مثل قضايا اليمن، وسوريا، والتغير المناخي والبريكست”.

في شأن ذي صلة، يعد كايج من أحد معجبي موقع “ذي آوتلاين”، وهي المجلة الرقمية الأمريكية التي حصدت العديد من النجاح والإشادة، بفضل تصميمها ومحتواها المناسبين تماما للهواتف المحمولة. وفي هذا الصدد، قال كايج “أنا معجب بنجاح القائمين على “ذي آوتلاين” في تطوير أساليب التصميم لخلق تجربة بصرية تشد الانتباه”.

1 z-rt7lzw-cNNtwxP0wPYEQ
(بعض خصائص موقع “ذي آوتلاين” على شاشة الهاتف المحمول)

1 0flRDsTrosn5rOEsR4Yz6wبيلا هارل: نائبة رئيس التحرير في فريق الصحافة المرئية في شبكة بي بي سي الإخبارية، الحاصلة على العديد من الجوائز. وهي تعمل بشكل خلاق مع المصممين، والمطورين والصحفيين في مختلف أقسام شبكة البي بي سي للأخبار، من أجل إنتاج قصص مشتركة ومحتوى رقمي تفاعلي. وهي تركز في الوقت الحالي على تقنيات عرض القصص بشكل مبتكر على شاشات الهواتف المحمولة.

وتجدر الشارة إلى أن بيلا هارل ستشارك في ورشة عمل بعنوان “عندما تسيطر الهواتف المحمولة على كل شيء: أربع أفكار يجب عليك إنجازها بحلول نهاية سنة 2018″، ضمن مؤتمر الشبكة العالمية للمحررين، في مدينة لشبونة، من 31 أيار/ مايو إلى 1 حزيران/ حزيران.

1 MLDVvoxyPDupxftt2wliBAفيلدينغ كايج: محرر المرئيات في صحيفة الغارديان التي عمل فيها منذ سنة 2011. وقبل ذلك كان كايج يعمل كمطور للمحتوى التفاعلي في وكالة أسوشيتد برس. وقد درس الصحافة والاتصال الجماهيري في جامعة كارولاينا الشمالية، وهو يحمل شهادة الماجستير في تقنيات وإدارة الاتصال المرئي من جامعة نيويورك.

 

 

هذا المقال كتبه سوبهاجيت بانيرجي، صحفي مهتم بإدارة الإنتاج، عمل سابقاً في مجال صحافة الهاتف المحمول مع صحيفة الغارديان والتلغراف، نُشر أولاً في ميديوم، وترجمها للعربية فريق اسطرلاب.