لماذا اخترنا الـ”أسطرلاب” اسماً لمشروعنا؟

خلال الإطلالة الإعلامية الأولى لفريقنا، في منتدى الشرق الشبابي في إسطنبول أكتوبر الماضي، كان السؤال عن الأسطرلاب ولماذا اخترناه اسماً لمشروعنا أحد أكثر الأسئلة التي أجبنا عنها.

والحق، أن الكلام عن الأسطرلاب حديث ذو شجون، ليس فقط لأنه يذكرك بالحضارة الإسلامية وعصورها الذهبية وما أضافته للإنسانية وحسب، بل أيضاً لأنها ابتكار ذكي يُشعرك أنه من عصرنا رغم مضي أكثر من ألفي عام على نموذجه الأول، وألف سنة على نسخته المطورة.

يمكن القول إن الأسطرلاب هو أول جهاز ذكي عرفته البشرية، فهو يُمكّن مستخدمه من إجراء مئات إن لم نقل آلاف الإجراءات والعمليات الحسابية، وبالإضافة لذلك فهو جهاز محمول، إذ وُجِدَتْ نسخ منه بحجم الكف!

هل يذكرك هذا بالهاتف الذكي الذي تحمله؟ ربما؛ باستثناء أن الأسطرلاب لم يكن آلة تواصل بين البشر، لكنه بالتأكيد كان آلة تواصل عظيمة بين البشر والكون، كان آلة لمخاطبة النجوم، ويمكن ألا تعتبر هذا كلاماً مجازياً!

ومنذ ما قبل الميلاد، استخدم الناس نماذجاً أولية من الأسطرلاب، إلا أن بطلميوس القلوذي (من  الاسكندرية، عاش في القرن الثاني الميلادي) صاحب كتاب “المجسطي” الذي ظل مرجعاً لعلم الفلك زمناً طويلاً، هو أقدم من أورد وصفاً خاصاً للاسطرلاب في كتابه “المسطح” والذي ترجمه للعربية مَسْلَمَة المجريطي (338 – 398 هـ).

ولأنه يلبي احتياجاتهم سواء تلك المرتبطة بحياتهم وحلهم وترحالهم، أو بعباداتهم وما يتصل باتجاه القبلة ومعرفة الزمان والأوقات، وجد العرب والمسلمون في الأسطرلاب ضالتهم، فشغفوا به، وانكبوا عليه دراسة وفهماً، وتطويراً وتحسيناً، حتى بات المنشغلون به يُكنون به، فنجد في تاريخنا الإسلامي عشرات العلماء يكنون بالأسطرلابي، مثل أبو حامد الأسطرلابي (توفي 380 للهجرة/990م)، وهو فلكي عربي من الشام، والبديع الأسطرلابي (توفي 534 هجرية/ 1139م) وهو من كبار علماء الفلك في بغداد وأصفهان، ومسعود بن حامد الأصفهاني الأسطرلابي من علماء أصفهان وورث علومه من والده الذي كان عالماً أسطرلابياً بدوره (عاش في القرن السادس للهجرة)، أما أبرزهم فـ مريم الأسطرلابي، والتي إن سمعت باسمها في عصرنا هذا، فربما سيقفز إلى ذهنك ستيف جوبز أو إيلون ماسك.

لم يكن لأي أحد أن يتكنى بالأسطرلابي، فقد كان هذا اللقب راقياً مُشرّفاً لا يحمله إلا من بلغ من علوم الفلك منزلة رفيعة، واختص بالأسطرلاب وأضاف له، فالأسطرلابات الأكثر دقة كان يصنعها فلكيون لا حرفيين، واستحقت النابغة مريم ابنة كوشيار الجيلي هذا اللقب، أثناء عملها لـ26 عاماً في بلاط سيف الدولة إبان الدولة الحمدانية في حلب خلال القرن العاشر الميلادي، بعد أن تتلمذت على يد والدها الذي كان بدوره نابغة زمانه في علوم الفضاء والفلك، ومؤلفاً عظيماً بهذا الشأن.

خلّف العرب والمسلمون أكثر من 300 كتاب في الأسطرلاب وصنعته وطرق عمله، وكان أول كتاب في علم الفلك ترجم من اليونانية إلى العربية هو كتاب “عرض مفتاح النجوم” المنسوب إلى هرمس الحكيم، وكان الفراغ من ترجمته سنة 125هـ/742م، أي قبل زوال الدولة الأموية بسبع سنين، أما أول من صنع أسطرلاباً في الإسلام بحسب قول ابن النديم في الفهرست فهو إبراهيم الفزاري (ت 180 هـ/796م)، أحد فلكيي الخليفة المنصور العباسي، ويقول ابن النديم: “الأسطرلاب وآلات الفلك كانت تصنع في مدينة حران ثم ظهرت وكثر صناعها في الدولة العباسية منذ زمن المأمون”.

وإلى ذلك، استُعمل الأسطرلاب لغايات نظرية وعملية مختلفة، كقياس ارتفاع الشمس والأجرام السماوية وتحديد الوقت في الليل والنهار ورسم خريطة البروج، وحل الكثير من المسائل التي لها صلة بعلم الفلك. كما كانت حتى القرن الثامن عشر تستعمل في الملاحة البحرية، وفي أعمال المساحة والتثليث الخاصة بقياس الأرض، كحساب بعد مكان يصعب بلوغه أو ارتفاع بناء أو عمق بئر.

واستخدم في مجالات التنجيم والأبراج، واستخدمه المسلمون لتحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة -كما ذكرنا – وتحديد بداية أيام شهر رمضان والعيدين، وتذكر بعض المصادر أن هناك نسخاً للأسطرلاب كان يمكن من خلالها تنفيذ أكثر من 1000 عملية حسابية وإجراءً.

وإذن، لماذا تبنينا هذا الاسم وأطلقناه على تطبيقنا؟

لنفسّر لك الأمر، يجب أن تعرف ما الذي خسره العالم بفقدان الأسطرلاب!

في حديثه إلى منصة تيد، قال توم وجاك “Tom Wujec” كلاماً مهماً بهذا الخصوص:

“الأجهزة التكنولوجية الحديثة توفر الدقة والانتظام حقاً، لكن الذي نخسره هو “دقة الإحساس.. الإحساس بالسماء، الإحساس بالسياق، معرفة السماء وعلاقتك كشخص بالسماء، هو محور الإجابة على كل سؤال يتعلق بمعرفة الزمن الذي أنت فيه”.

وإذن، يمكنك بطرفة عين أن تعرف كم الوقت الآن بالنظر إلى شاشة هاتفك، لكن حتى تعرف الوقت عن طريق الأسطرلاب فأنت بحاجة لوقت أطول، ستستهلكه في حديث مع السماء ونجومها، والتي ستخبرك ليس فقط بوقتك الحالي، إنما أين تقع النجوم ومتى ستشرق الشمس ومن أين ومتى ستغرب وأين موقعك في هذا العالم، فالإسطرلاب يؤسس لاتصال بينك وبين الطبيعة، اتصال مع العالم من حولك؛ لذا، فإن مستخدم الإسطرلاب يدرك تمامًا البيئة المحيطة به، ويدرك مكانه في الكون.

وعندما يتعلق الأمر بالأخبار، فالأمر بالنسبة لتطبيق أسطرلاب ليس أن تعرف ما حدث بطرفة عين وحسب، بل أن تعرف ما حدث فعلاً بشكل دقيق وصحيح لا تشويه فيه، ضمن سياقاته، وبصورته التامة، وبزواياه المختلفة، لتشعر بما يحدث، ولتحس بأن ما يحدث يخصك ويهمك.

تطبيق أسطرلاب هو كما آلة الأسطرلاب، جهاز ينتمي إلى الحضارة العربية في أوج ازدهارها، وإلى العصر الحديث في ذروة ذكائه، يقدم لك ما تطلبه منه بالدقة والسرعة والسياق وإمكانيات التخصيص، ما يجعل منه أفضل مساعد إخباري لك.

أفضل 3 مقالات مرجعية لتعرف أفضل عن الأسطرلاب:

والآن، أترككم مع أفضل 4 فيديوهات يمكنكم أن تجدوها على يوتيوب، تعطيكم بمجملها أفضل تصور عن الأسطرلاب، سواء لناحية معرفة تاريخه أو فلسفته أو طريقة عمله.

1. توم وجاك يتحدث لجمهور تيد عن الأسطرلاب.

2. شرح مصور ورائع لآلية عمل الأسطرلاب.

3. في هذا الفيديو نترككم مع مريم الأسطرلابي لتتحدث إليكم عن نفسها.

4. الأستاذ هاني الضليع يقدم شرحاً تفصيلياً لآلية عمل الأسطرلاب.

هذا كل شيء.. استمتعوا 🙂