كيف تُغطّى الأخبار وسط كل هذا الزيف؟

ما هو أحدث خبرٍ مزيفٍ سمعته؟ أو سمعت ضجةً حوله؟ في السياق الغربي، كان أكثر محتوى مضلل مثاراً للجدل نهاية نوفمبر هو ثلاثة مقاطع فيديو أعاد الرئيس الأمريكي تغريدها على حسابه الشخصيّ، تُظهر بحسب ادعائها قيام مسلمين باعتداءات مختلفة في أوروبا على أطفال وممتلكات عامة، قبل أن تخرج الحكومة الهولندية وتقول إن واحداً من الفيديوهات على الأقل مُضلِل، وإن الشخص في الفيديو هولنديّ وليس مسلماً ولا حتى لاجئاً. الفيديوهات في الأصل نشرتها زعيمة حزب “بريطانيا أولاً”، وهو حزب بريطاني يميني متطرف، ويطفح حسابها بتغريدات مسئية للمسلمين وتتعمد تشويه صورتهم. تغريدات ترمب أحدثت ضجةً كبيرة لدرجة أن الحكومة البريطانية قامت فوراً بإدانتها، ليقوم ترمب بحذفها بعد ذلك، بدون اعتذار.

الأخبار المزيفة، أو الـ “فيك نيوز”، مصطلح شغل بال وسائل الإعلام وشركات التقنية بشكلٍ متزايد منذ نحو عام، تحديداً منذ انتهاء الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية التي تمخضت عن تنصيب الرئيس دونالد ترمب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، ولعل تلك اللحظة الفاصلة، بعد تحقيقٍ وراء مصادر عدد من الأخبار المزيفة التي اجتاحت الإنترنت الأمريكي، منها مثلاً زعم دعم البابا للرئيس ترمب، وما تلاها من مزاعم تدخلٍ روسي بالانتخابات الأمريكية والبريطانية والفرنسية كذلك، كانت السبب في أن تصبح محاربة “الأخبار المزيفة” الـ”تريند” الجديد لدى الغرب بوسائل إعلامه ومنصاته التقنية وقاطني وادي السليكون، وحتى الحكومات والمشرّعين ممن انشغلوا بالسؤال عن جدوى انفتاح الإنترنت وكيف يمكن تقييد الشبكة أو جلب جهاز شرطةٍ لها، آخرها محاولات هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية التصويت في منتصف ديسبمر/ كانون أول على مبدء “حياد الإنترنت” بهدف تقويضه بعد أن سُن في عهد أوباما.

وبالنسبة لنا نحن العرب، لعل سؤال الأخبار المزيفة كان يجدر به أن يحتل مساحةً من اهتمامنا منذ فترةً أطول، منذ بدايات الربيع العربي على أقل تقدير، حينما بدأ شبابنا في مصر وسوريا وتونس يدركون إمكانية الانقلاب على السردية الواحدة التي كانت الحكومات تحتكر الهيمنة عليها، ومحاولة خلق سردية معاكسة مصدرها الناس وجمهورها الناس، مستفيدين من الحرية النسبية التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب قدرة الحكومات على السيطرة عليها. هذه التجربة التي هزت الحكومات الديكتاتورية العربية في صميمها، والعجز الذي ربما شعرته لأول مرة في السيطرة على الشعوب كليّاً، بعد أن حكمتهم بالنار والسوط لعقود طويلة، كانت فيها السيطرة على ما يقرأونه ويشاهدونه ويسمعونه ممكنة تماما.

هذه الصدمة جعلت أجهزة المخابرات تلجأ لنفس المنصات، لبث الإشاعات (وهي نفس ما يتصالح الناس على تسميته بالفيك نيوز اليوم)، بغرض التشكيك بالرواية الأخرى، تارةً بحجة الضرب في تدين المنتفضين أو تمسكهم بالقيم المجتمعية، وتارة بحجة ولائها لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وتارة أخرى بحجة المؤامرة التي ينفذها قطيع من الشباب “المندسين” من على منابر غربية ( فيسبوك وتويتر). ففي مصر، وأثناء الحملة الانتخابية للرئيس السجين محمد مرسي، فاضت ساحة وسائل التواصل الاجتماعية بعددٍ لا حصر له من الشائعات، الصحفي في صحيفة الأهرام عبد الرحمن سعد، وفي كتابه: صحافة ما بعد الثورة: أكاذيب أم أنصاف حقائق، يصف كيف شكلت الشائعات جزءاً من أدوات المعركة الانتخابية، بهدف التأثير بإرادة الناخبين، توجهت أصابع الاتهام بخصوصها نحو أجهزة الدولة وما يصطلح في مصر على تسميته بـ”الدولة العميقة”، ومع أن الثورة المصرية شهدت منذ انطلاقها انطلاقاً مماثلاً لعددٍ كبير من الشائعات السياسية، إلا أن الشائعات شهدت ذروة غير مسبوقة في انتخابات  ٢٠١٢، منها مثلا ما تردد بحق مرسي أنه سيقوم بإلغاء الأفراح الشعبية وإجبار الرجال على ارتداء الجلابيب الباكستانية، بينما قيل في حق منافسه أحمد شفيق أنه يعاقر الخمر وأنه فرّّ خارج البلاد.

وفي سوريا، لم تتوانى أجهزة المخابرات أيضاً عن استخدام الشائعات، ولاحقت الشائعات السوريين ثوار كانوا أم لاجئين، داخل البلاد وخارجها، ففي مطلع الثورة مثلاً، أصدر النظام شائعة رفع الثوار العلم الإسرائيلي في حي باب السباع بحمص، وفي الأردن اتهم أهالي مخيم الزعتري سفارة نظام الأسد بعمان بالوقوف خلف شائعاتٍ تطعن بشرف اللاجئات السوريات وتشوه صورتهن بهدف تكوين رد فعل عكسيّ لدى المجتمع الأردني المحافظ وخلق انطباعٍ سلبيّ عن اللاجئين يدفع بأقسى حالاته تطرفاً بالمطالبة بإعادتهم إلى نار النظام في بلدهم.

والشائعة، كما تكتب الصحفية سوسن ماهر في صحيفة العرب اللندنية، ليست ظاهرة مستحدثة، بل طالما استخدمتها الكيانات السياسية لزعزعة الأمن والاستقرار، وتلعب على وتر حساسيات نفسية عديدة لدى المتلقين؛ لذا أطلق عليها اسم الحرب المعنوية، وتكمن خطورتها في أنها تستخدم ضد أفراد تتوافق مع مزاجهم وتفكيرهم؛ فتجذبهم إليها ليصبحوا أدوات لترديدها دون أن يدركوا مدى خطورتها؛ خاصة في زمان تضاعفت خلاله سرعة انتشارها، ولعل أشهر الكيانات السياسية التي حوربت بالشائعة هي النازية، فتروي المصادر التاريخية مثلاً عن برنامجٍ إذاعي استمر سنتنين وقفت خلفه الاستخبارات البريطانية، بثت من خلاله أكاذيب حول قيادة النازية بطريقةٍ متقنةٍ جداً بحيث كان يعتقد المستمعون أن مقدم البرنامج أحد ضباط النازية، ويتكلم من داخل التنظيم.

وعلى الرغم من قدم التجربة الإنسانية مع الشائعة، إلا أن هناك من يجادل أن الأمر تاريخياً لم يكن بهذا السوء الذي نعيشه اليوم، فمحدودية قدرة البشر على التواصل سابقاً، جعلت حدود الشائعة أكثر ضيقاً، وبالتالي كان أثرها محصوراً مقارنة بالانفتاح غير المحدود نسبياً لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم، وقدرتها على الاشتباك مع دوائر غير متقاطعة من الكتل البشرية، مع اختلاف أعراقها وأجناسها وأعمارها ودينها. هناك من يرى أن قوة “الديموقراطية المفرطة” للإنترنت أدت لدخولنا في عالم ” ما بعد الحقيقة”، حيث يرتكز البشر على عواطفهم لتكوين آرائهم، لا على الحقائق.

وواقع الأمر أنه وسط كل ما يقال عن كل هذه “الفوضى” المعلوماتية، هناك محاولات متزايدة من منصات الإنترنت على اختلافها، وعلى رأسها فيسبوك وجوجل لتقييد انفتاح الإنترنت، خاصة بعد موجة الانتقادات الرسمية التي تعرضت لها المنصات ببلدان الغرب، وصلت حد تهديدها بحظرها إن لم تتخذ إجراءات فعلية أكثر صرامة لمحاربة الأخبار المضللة، وبين الحين والآخر تصدر علينا هذه المنصات معلنة “إنجازاً” جديداً لتقييد الأخبار الكاذبة، سواء من حيث فرض قيودٍ أكبر على الإعلانات الممولة، أو من خلال توظيف كوادر بشرية هدفها التحقق من صحة ما يتم نشره، وبذلك تتحول منصات التواصل في العقلية الجمعية، خاصة الغربية، من مكانٍ حرّ يجد فيه المقهورون متنفساً لهم لنقل سرديتهم ( تماماً مثل ثوار الربيع العربي)، إلى مكانٍ تبث فيه أجهزة استخبارات العالم إعلاناتها الموجهة وأخبارها الكاذبة لتشكيل الرأي العام على أهوائها.

التحدي إذاً كبير، والحرب فعلاً حقيقية، وليست المشكلة فيما يتم كشفه، إنما في المستور، فبالنسبة لنا نحن العرب، ما نزال بكل أسف تبعاً لوسائل الإعلام الغربية، وحين يتم تقييد الإنترنت فذلك يعني أن سردياتنا ستقيد، فربما ترى القوانين الجديدة لفيسبوك، في إحدى القنوات الرسمية المعروفة بتبعيتها لجهاز استخباراتٍ معين، مصدراً موثوقاً للأخبار، فيما تقرر حجب صفحةٍ لتنسيقيةٍ في مكانٍ ما بسوريا، أو لشبكةٍ إعلاميةٍ فلسطينية محلية، تبث من الساحة أخباراً حقيقية بلا شك، لكنها لم تعجب متحرّي الدقة في المنصة.

وسط كل هذه المعمعة تبدو مهمة أسطرلاب صعبة، لكننا نثق أنها ممكنة، مع مساحة طبيعية من الخطأ، خاصة مع إبقاء أنفسنا واعين بحقيقة ما يتم الإعداد له، وما يجري على ساحة وادي السليكون، واستراتيجيتنا ببساطة هي التالي:

  • الاعتماد على مصادر الخبر المحلية قدر الإمكان.
  • إدراج أكثر من سردية بالأخبار متعددة المصادر قدر الإمكان، وتعزيزها بالسردية المحلية، فإلى جانب ما تنقله الوكالة الفرنسية مثلاً، يمكن نقل الخبر من موقع إخباري محلي تم فحص مهنيته سابقاً من خلال مراقبتنا لمجموعة كبيرة من المواقع على مدار سنة، أسقطنا خلالها عدداً من المواقع من قائمة مصادرنا لنقصٍ في مهنيتها أحياناً، إلى جانب نشر تغريدات ومقاطع فيديو من مراسلين أو مواطنين في قلب الحدث.
  • التأني وعدم التعجل بنقل الخبر، في أسطرلاب لا تعنينا سرعة نقل الخبر بقدر ما تعنينا مصداقيته، لذلك نتأنى في الأخبار حتى يتم تناولها من أكثر من مصدر مختلف التبعية والتوجهات.
  • من خلال انتماء طاقم الفريق لجغرافياتٍ مختلفة، وإتقان العاملين فيه اللغات الإنجليزية والعبرية والفرنسية والتركية إلى جانب العربية، فإن ذلك يتيح إمكانية أكبر للتحقق من صحة الخبر قبل نقله.
  • الوعي بحقيقة أن المؤسسات الإعلامية في غالبها تنطق باسم كيانٍ سياسي، والوعي بخريطة التحالفات السياسية يجعل المهمة أوضح قليلاً، فإدراك موقف قناة ما من ما يجري في اليمن مثلاً، يجعل من الممكن لمحرر الخبر أن يقيس مدى منطقية الخبر.
  • في الأخبار العلمية والصحية، يتم اعتماد عدد محدود من المصادر، عرفنا عنها دقة ترجمتها من اللغات الأخرى.

التحدي ليس سهلاً كما قلنا، ومن الوارد جداً أن نقع ضحيةً له رغم كل محاذيرنا، لكن يبقى المهم إدراكنا كمنصة إخبارية لجديّة المسألة، ولأهمية التحقق من دقة ما نعيد نشره من المصادر المختلفة لمستخدمي تطبيقنا، فالإدراك يعني التراجع عن الخطأ حين وقوعه والاعتذار عنه والتعلم منه، وهذا أقل ما نعد مستخدمنا به.